أخلاقيّات الذاتيّة القيادة

عبد اللطيف الزبيدي

كيف ستحل الخوارزميات المشكلات الأخلاقية والقانونية في السيارات الذاتية القيادة؟ جدلية طريفة، فالعلوم تخترع الحلول، فإذا كل حل يطرح ألف مشكلة، فيسعى العلم إلى إيجاد حلولها التي تخلق مشكلات لم تكن في الحسبان، وهكذا هي متتاليات التطور.
يتبادر إلى أذهان الكثيرين أن المركبة الذاتية القيادة، قد تكاملت واكتملت وقضي الأمر الذي فيه تستفتون. هذه السيارة لا تزال في بداية المرحلة الثالثة من خمس مراحل، وفي المشوار المتبقي كل العقبات الكأداء، فبعيداً يلوح تنفس الصعداء. المعضلة هي أن الذكاء الاصطناعي يتطور أداؤه عبر التعلّم المتعمق، ولكنه يحتاج إلى أضعاف صبر أيوب، وألف شروق وألف غروب. لكي تتعلم برمجية ذكاء الآلة تجنب الحوادث، تتطلب ملايين الكيلومترات من التدريب، على طرقات لا بشر فيها ولا حيوانات، وأعداداً هائلة من الصدمات، «والنافع الله».
المرحلة الأولى بسيطة: دخول الموقف والاصطفاف آلياً، والقدرة على تعديل السرعة وتغيير المسار. الثانية: الاضطلاع بمهمّات متعددة، لكن الأساسيات تظل في عهدة السائق. الثالثة: يتحكم الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريباً، لكن السائق يستطيع استعادة زمام المبادرة والسيطرة في أيّ لحظة. الرابعة: يفعل السائق ما يشاء طوال المسافة كالقراءة والاستمتاع بفيلم وتجاذب أطراف الحديث مع مرافقيه في السيارة، مع اليقظة في المواقع الحرجة. أمّا الخامسة فالتحكم الذاتي كامل لا حاجة فيه إلى السائق بتاتاً، المركبة توصل الركاب إلى المقصد.
المرحلتان الأخيرتان بالذات، هما اللتان تسببان صداعاً للأخلاق والقانون. تقول الأخلاق: إن الخوارزميات في البرمجية لا تملك وعي رد الفعل والتمييز العاقل. المركبة لا تعرف أن الطفل الذي يقطع الشارع حياته أثمن من حياة الدجاجة العابرة أيضاً، حين لا مناص من التضحية بأحدهما. القضايا الأخلاقية كثيرة: راكب دراجة بلا خوذة، وآخر بخوذة قد ينجو من الحادث، البرمجية لا تعرف الفارق. القضايا القانونية لا تحصى: سيارتان ذاتيتا القيادة وبينهما مشاة، برمجية تصدم أخرى فيسقط ضحايا، على من تقع المسؤولية؟ تحديد المسؤول وراءه جدل لا نهاية له. المرأة التي قضت نحبها تحت عجلات سيارة أجرة روبوتية خارج منطقة المشاة، في أريزونا الأمريكية، صارت قضية نقاش قانوني عالمي تدخل الأخلاق في صميمه. أمّا تقدم العلم فهو يشبه تماماً من يبني معملاً للأسمنت الضروري للبناء، ولا يكترث لما ينفثه من كبريت، أملاً في أن يشاد مثله وهو ينشر في الأجواء عبير الفل والياسمين. آمين.
لزوم ما يلزم: النتيجة النبوغية: حين يكون الإنسان متخلفاً، يستريح من تأنيب الأخلاق والمسؤولية القانونية.

abuzzabaed@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply