«أوبك» مستمرة في سياسة إدارة الأسواق

«أوبك» مستمرة في سياسة إدارة الأسواق

وليد خدوري

توصل الاجتماع الوزاري لمنظمة «أوبك» والدول المنتجة غير الأعضاء الذي عقد في 25 من الشهر الجاري في فيينا، إلى اتفاق خفض الإنتاج 1.8 مليون برميل يومياً مرة ثانية مع تمديد مدة الخفض تسعة شهور حتى نهاية آذار (مارس) 2018، بدلاً من التوقف في نهاية حزيران (يونيو) المقبل.

يدل اللجوء إلى اتفاق ثان لخفض الإنتاج على أن سياسة إدارة الأسواق لم تحقق الهدف الرئيسي الذي كانت تصبو المنظمة إليه من خلال الاتفاق الأول، وهو تقليص مستوى المخزون العالمي للنفط إلى أقل من معدله للسنوات الخمس الماضية. وتشير التوقعات المتعددة بعد الاتفاق الثاني، إلى إمكان انخفاض المخزون العالمي عن معدله للسنوات الخمس الماضية، إما خلال الفصل الرابع من العام الحالي أو الفصل الأول من 2018.

ورغم عدم تحقيق النتائج المرجوة في الاتفاق الأول، أوقف الخفض مسلسل تدهور الأسعار التي وصلت إلى أقل من 30 دولاراً خلال الربع الأول من 2016، ما زاد الريع النفطي للدول المنتجة هذه السنة. لكن رغم هذا الإنجاز، فإن الدول المنتجة تتطلع إلى مستوى سعري أعلى من النطاق الحالي 50 – 55 دولاراً، أي إلى نحو 55 – 60 دولاراً خلال الفترة المقبلة.

يكمن السبب الرئيسي في عدم التمكن من خفض مستوى المخزون العالمي إلى معدل السنوات الخمس الماضية، وهو المؤشر الذي تم اعتماده لتحقيق الاستقرار في الأسواق، إلى الزيادة السريعة لإنتاج النفط الصخري الأميركي. والتزمت «أوبك» والدول المعنية الأخرى بنسبة 95 في المئة تقريباً من معدل الخفض المتفق عليه. وهذا التزام عال ومهم بالنسبة للتجارب السابقة. لكن أفقدت زيادة إنتاج النفط الصخري تحقيق الهدف من هذه السياسة، ما أدى إلى المحاولة الثانية. واستطاعت صناعة النفط الصخري تحسين تقنياتها وتقليص نفقاتها، حيث بات بإمكانها تحقيق الأرباح حتى بأقل من 50 دولاراً.

فما هو البديل عن خفض الإنتاج؟ وما الذي سيحدث بعد آذار 2018 في حال عدم الخفض المنشود من المخزون. هل سيمدد الاتفاق مرة ثالثة؟ وهل من الممكن الحصول عندئذ على الإجماع الحالي؟ وهل تم حل الإشكال؟ هذه الأسئلة وغيرها أدت إلى ردود الفعل السريعة والموقتة بعيد اجتماع «أوبك»، والتي أدت إلى انخفاض الأسعار نحو 5 في المئة.

إن البديل هو البدء بطريقة فعالة وذات صدقية لتبني الدول المنتجة سياسة اقتصادية عقلانية طويلة المدى، تغير النهج الاقتصادي الحالي والعقيم، بحيث تقتنع الأسواق بجديتها. كما تتبنى السياسة الاقتصادية تنويع الاقتصادات المحلية وعدم الاعتماد المفرط على الريع النفطي، أو الأسعار النفطية العالية جداً.

فمن الصعب الاستمرار بسياسة إدارة الأسواق عندما ترفض دول منتجة كبرى المشاركة في الخفض، بخاصة عندما تتوافر لها طاقة إنتاجية ضخمة تستطيع ضخ ملايين البراميل الإضافية يومياً. وتبين بالفعل أن هذا البديل متوافر من خلال تقليص نفقات إنتاج النفط الصخري أو تحسين تقنيته. فهذا هو الوضع اليوم في الصناعة العالمية. وهذه ظاهرة طويلة المدى. من ثم، يتوجب العمل على تبني سياسات مختلفة للتعامل مع الوضع الجديد. والمسؤولية لا تقع على وزارات النفط فقط، كما هو الأمر الآن، إذ يستوجب طرق تفكير جديدة عند جميع المسؤولين.

برزت مؤشرات ذات دلالة خلال الفترة الأخيرة، أولها الإعلان المشترك لوزيري النفط السعودي والروسي في 14 الجاري نيتهما العمل لإقناع الدول المعنية بالتمديد. ثم زيارة وزير البترول السعودي خالد الفالح بغداد والاجتماع مع وزير النفط العراقي في 15 الجاري والحصول منه على التأييد لتمديد خفض الإنتاج والتزام العراق به.

مغزى هذين المؤشرين هو التعاون السعودي – الروسي النفطي الوثيق منذ اتفاق أيلول (سبتمبر) 2016 للعمل على استقرار الأسواق وردع تدهورها الضار باقتصادهما. وأيضاً، استمرار المحادثات التنسيقية المستمرة للتأكد من التزام دول «أوبك» بخفض الإنتاج والإجماع على تمديد سياسته.

يلاحظ أن الطلب على النفط في ازدياد، إذ من المتوقع أن يرتفع هذه السنة نحو 1.3 مليون برميل يومياً (رغم انخفاض الطلب في الربع الأول)، ليبلغ مجمل الطلب العالمي بنهاية 2017 نحو 97.9 مليون برميل يومياً.

تشير دراسات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن إنتاج النفط الأميركي زاد نحو 10 في المئة ما بين منتصف 2016 ومنتصف 2017، ليبلغ نحو 9.3 مليون برميل يومياً، أو قريباً من الإنتاج السعودي أو الروسي.

كان مفروضاً أن ينخفض مستوى المخزون النفطي العالمي 800 ألف برميل يومياً هذه السنة. لكن لا يزال نحو 3.25 بليون يرميل، مقارنة بمعدله خلال السنوات الخمس الماضية وهو 2.7 بليون.

وتشير وثائق تسربت في واشنطن مصدرها مسودة الموازنة الأميركية، إلى أن البيت الأبيض ينوي بيع نصف المخزون الاستراتيجي للنفط الخام خلال الفترة 2018 – 2027. ويبلغ مجمل المخزون الاستراتيجي نحو 700 مليون برميل. ويعود السبب لهذا الاقتراح أن النفط الصخري يشكل طاقة جديدة وضخمة للولايات المتحدة، فلا حاجة للتخزين الاستراتيجي وتكاليفه. كما أن الرئيس ترامب وعد أثناء حملته الانتخابية بخفض العجز في الموازنة.

إن التأثير المباشر لبيع نصف المخزون في عشر سنوات سيفتح المجال للمضاربين بخفض الأسعار كلما تم الإعلان عن السحب. وستعتمد الانعكاسات على الأسعار بحسب حجم الإمدادات في كل مرة وتوقيت إنزالها إلى الأسواق. لكن، لا يتوقع بدء خفض المخزون الأميركي قبل الفصل الرابع عام 2018.

 

نقلا عن الحياة

مقالات اخرى

Leave a Reply