أوكرانيا إمبراطورية رأس المال

أوكرانيا إمبراطورية رأس المال

تأليف: يوليا يورشينكو
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

منذ عام 1991، كانت أوكرانيا مستقلة اسمياً، ولكنها تعيش في حالة من الاضطراب، ومع الثورة البرتقالية (2004-2005) واحتجاجات ساحة الميدان في 2014، عاشت البلاد أكثر اللحظات حرجاً في تاريخها. والآن، تتعرض حدودها للتهديد، ولا تزال الاضطرابات المدنية والنزاعات المسلحة تزعزع استقرارها. ومن أجل فهم هذه الأحداث المأساوية، تعود الكاتبة يوليا يورشينكو إلى ماضي ما بعد الاتحاد السوفييتي لتحلل الاقتصاد السياسي الأوكراني المعاصر، وتقدّم فهماً للصراع الحالي كمنتج خطر من منتجات النيوليبرالية وإمبراطورية رأس المال.
تسلط الكاتبة يوليا يورشينكو الضوء على التكثيف الحالي للتنافس الطبقي في أوكرانيا، والحروب، وحروب الموارد، وتحلل المخاطر الحالية والمحتملة للتحول اليميني في النظام السياسي الأوكراني، مؤكدة على فرصة تاريخية للتغيير. وتقدم في عملها أفكاراً جديدة وغير مستكشفة عن أصول النزاع الذي يحدث، مسلطة الضوء على الأساطير المركزية الأربع التي تكمن وراء الواقع الأوكراني – السوفييتي التالي: أسطورة التحول، أسطورة الديمقراطية، أسطورة أوكرانيتين، وأسطورة «الآخر».
وفي معرض انتقادها لمفهوم أوكرانيا بأنها «فضاء انتقالي»، فإنها تقدم تحليلاً شاملاً يتضمن إعادة هيكلة النيوليبرالية على نطاق أوسع للاقتصاد السياسي العالمي منذ السبعينات، مع التركيز بشكل خاص على علاقات أوكرانيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
ويأتي الكتاب في 304 صفحات صادر عن دار «بلوتو برس» في ديسمبر 2017 في تسعة فصول هي: 1) التسويق من خلال حرب أهلية هجينة. 2) السوابق الرأسمالية في أواخر الاتحاد السوفييتي. 3) التدمير الاجتماعي والبناء الكليبتوقراطي في أوائل التسعينات. 4) تشكيل الطبقة والتجزؤ الاجتماعي. 5) كليبتوقراطية النيوليبرالية والرأسمال العابر للحدود الوطنية. 6) «أوكرانيتان»، أسرة واحدة، ومفترق طرق جيوسياسية. 7) الشتاء الدامي و«أبواب أوروبا». 8) الجغرافيا السياسية. 9) «الآخر» المراوغ، والغايات الأخيرة الغامضة من أوروبا.

أزمة شديدة

تقول يوليا يورشينكو إن أوكرانيا شهدت ثلاث سنوات (2014 – 2017) تعد من أشدّ الأزمات التي تعرضت لها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويبدو أنها مع الأوضاع المزرية تصل إلى حافة احتجاجات أخرى، فقد أصبحت البلاد ضعيفة بسبب الصراع المسلح المدني، وأجهزة إدارة الدولة الفاسدة، وعبء الديون التي تتراكم.
وتقول حول ذلك: «الاقتصاد الأوكراني يظهر بضع علامات من التعافي، لكنه في الوقت ذاته يستمر بمراكمة القروض مع متطلبات التعديل الهيكلي القاسية التي تتزايد باستمرار. وتجد في الوقت ذاته أن معايير مستوى المعيشة، والفقر، واللامساواة تشهد أسوأ حالاتها اليوم».
وتضيف: «أدى الجمع بين إصلاحات التحول المعطوب في السوق، وسوء إدارة التمويلات المقترضة، وسوء التصرف من كتلة الحكم الكليبتوقراطي (حكم اللصوص) إلى الاعتماد على الديون الكبيرة التي أصبحت أداة للتلاعب في المواجهة الجيوسياسية المتجددة بين روسيا والولايات المتحدة/‏الاتحاد الأوروبي. لقد كلّفت جيوبوليتيكية الديون – في سياق مفاوضات مناطق التجارة الحرة العميقة والشاملة – أوكرانيا سيادتها الفعلية المتبقية، وفي الوقت نفسه تستمر في إضعاف الإمكانات لأجل تحقيق الاستقرار في النظام الجيوسياسي».
وتشير إلى أن أوكرانيا عالقة في رذيلة الكليبتوقراطية النيوليبرالية الاستبدادية ذات الميول الفاشية. معلقة على ذلك: «إن تنفيذ مناطق التجارة الحرة العميقة والشاملة يعني المزيد من التقشف، وزيادة التفاوت، وزيادة الخصخصة، وانخفاض آليات الدعم لإعادة الإنتاج الاجتماعي اليومي عن طريق الحصول على الرعاية الصحية، ورعاية الأطفال، والتعليم، والمرافق بأسعار ميسورة، والأغذية. كما أن خصخصة الأراضي وإعادة خصخصة تكسير الحقول لأجل النفط والغاز تعني أيضاً كارثة بيئية. وتفسّر صادرات الأخشاب إلى الاتحاد الأوروبي بالفعل قضية تدمير غابات كاربات التي تعود لقرون طويلة لأجل تحقيق مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل. لقد أصبح الدين أداة جيوسياسية في العلاقات الخارجية الأوكرانية يستخدمها المقرضون. استكشاف أقصى درجات تبعية الديون الخارجية ما بعد عام 2014/‏2013 يبين أن المقرضين، في سياق النظام النيوليبرالي الجديد، قد دفعوا إلى تآكل فعلي لسيادة أوكرانيا التي لا تكاد تعتمد الآن سوى على الخطاب الخطير «للوطنية». ذاك هو، تضخيم المشاعر اليمينية كآلية دفاعية ضد أي انتقاد لمملكة أوليغارشية هشة».

نزاع مسلح
تقف الكاتبة عند روسيا ومسألة شبه جزيرة القرم قائلة: «من غير المرجح أن تعود شبه جزيرة القرم سلمياً في الوقت القريب؛ كما أنه لا يمكن تحقيق مصالحة في صراع دونباس في المستقبل القريب. ما هو مؤكد هو أن الفلسفة السلطوية النيوليبرالية الجديدة تزداد حتماً، وتعزل عمل البلد إلى ما هو أبعد من حدود ما هو ضروري للإنتاج الاجتماعي اليومي. كما أن ما يسمى ب»الوطنيين اليمينيين» يجري التخلص منهم كأعداء للنظام في خطاب يورشينكو للبرلمان في سبتمبر 2017. الاستياء الاجتماعي يصبح أقوى. وهذه القوة العاملة المحرومة مستيقظة، تشعر بالألم من الجروح التي لحقت بها حديثاً، ومغطاة بدماء أطفالها. إنها مسلحة؛ ويائسة. وهي حبلى باحتجاجات مقبلة مماثلة للاحتجاجات السابقة في ساحة الميدان».
في أوائل عام 2014، عندما أصبحت أوكرانيا قصة المواجهة في وسائل الإعلام العالمية، لم يفهم سوى عدد قليل من الناس كيف تحولت المظاهرات الموالية للاتحاد الأوروبي إلى اشتباكات مسلحة. تقول الكاتبة في هذا السياق: «كان العنف الشديد الذي هز البلد خطيراً، ولم يسبق له مثيل، لأن زعزعة الاستقرار القوية للمجتمع المتزايد حرمانه قد سلّط الضوء على التناقضات الجيوسياسية التي ظن الكثيرون أنها انتهت في الفترة التي تسبق ما قبل العام 1989.
إن تكهنات الحرب الباردة الجديدة، والاشتباكات الإمبريالية، بل وحتى الحرب العالمية الثالثة التي تلوح في الأفق، قد اجتاحت خطابات وسائل الإعلام، والسياسة، والقطاع الأكاديمي، التي غالباً ما ساهمت في سوء فهم الأزمة».
وتضيف المؤلفة: «لم يبدأ الصراع بإطلاق الرصاصة الأولى في كييف في شتاء عام 2014. كانت لطموحات بوتين، وزيارات بايدن، وتعليقات حلف شمال الأطلسي التي لم تنجح وما شابهها، سلطة قليلة لتترجم تلقائياً إلى صراع مسلح. كان يجب توافر الظروف الصحيحة. انفجر الرصاص والباقي «استياء» كان يختمر لحوالي 25 سنة، تم تحريكه بتأثير مجموعة من الأساطير الخطرة ومن بعد الفضاء السوفييتي. كانت الأساطير نتاجاً للعقول التي كانت غير راغبة وغير قادرة في كثير من الأحيان على التعامل مع الواقع الاجتماعي أو الاقتصادي لأولئك الذين أصبح مستقبلهم خطراً على السلطة بشكل أكبر».

المدّ الرأسمالي
في هذا العمل، تظهر الكاتبة أن قصة تفكك أوكرانيا وتحولها إلى نزاع هجين مدني ومسلح هي قصة أساطير سيئة التصور تستخدم كأساس للتحول السياسي-الاقتصادي في الحياة الحقيقية والمخاطر التي تنطوي عليها هذه العملية. جميع الأساطير هي بُنى اجتماعية، يتم إنشاؤها بواسطة الناس وتعيش لخدمة أهدافهم المحددة.
إن الهدف والأساس الضمني للأساطير التي كانت تشكّل تحول أوكرانيا منذ عام 1991 هو تأمين توسع إمبراطورية رأس المال العابر للحدود. إنها بالتحديد التأثيرات الاجتماعية لتلك العملية المعقدة التي أنتجت ظروفاً أصبحت فيها المواجهة المدنية والصراع المسلح ممكنين، وكان التحقيق في هذه العملية هو مهمة هذا الكتاب كما تعبر عنه المؤلفة.
وتقول حول ذلك: «إن وظيفة الأساطير في الواقع السياسي والاقتصادي المتغير هي إنتاج التماسك الاجتماعي، أو الدعم، أو – بكلمات غرامشي – نمط محدد من الحكم والإنتاج والتكاثر الاجتماعي. الطريقة التي قامت منذ سبعينات القرن الماضي على دعم الاقتصاد السياسي العالمي هي النيوليبرالية أو الرأسمالية المالية، والتي أصبحت مترسخة أكثر منذ الأزمة المالية 2007-2008 والركود الذي تلاها، وكانت تقدم بشكل صريح سمات استبدادية علنية. وأبرز جانب من هذه الجوانب هو الوضع المالي والمرفقات المستمرة، أي خصخصة الأصول المملوكة ملكية عامة والاعتداءات على توفير الرعاية الاجتماعية». وتضيف الكاتبة: «النظام الدستوري القائم على السوق هو النظام العالمي الجديد» حيث نرى تهيئة خسائر الشركات «إلى جانب الانضباط الشديد في مكان العمل» والاستبعاد الاجتماعي المنظم للعمالة «مع الابتزاز الإضافي من خلال المديونية، «الفقر أثناء العمل»، وسياسات التقشف، كل ما سبق ذكره هو صادرات شعبية وناجحة من قلب النظام الرأسمالي إلى نصفه /‏ أطرافه التي لا تشكل أوكرانيا استثناء له.
لقد أدى توسع النظام الرأسمالي العالمي إلى الفضاء السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي إلى تكثيف واضح للنضالات الطبقية العابرة للحدود الوطنية والتوترات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا. روسيا، التي أضعفها زوال الاتحاد السوفييتي، وثمّ قواها اقتصادياً اعتماد العالم الصناعي على النفط والغاز، أصبحت دولة أوليغارشية دخلت في منافسة جديدة مع الولايات المتحدة، وهذه المرة بدون عنصر إيديولوجي مناسب. وتعلق على ذلك: «منذ أواخر التسعينات، كان هدف الكرملين ضرب الولايات المتحدة الأمريكية في لعبتها الخاصة، المنافسة الرأسمالية /‏ لعبة الهيمنة على العالم، التي شملت، من بين جوانب أخرى، السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على دول ما بعد الاتحاد السوفييتي، والتي كانت تنزلق بعيداً عن موسكو واحدة تلو الأخرى. وتأسيس كومنولث الدول المستقلة في عام 1991، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي في عام 1992، وإصلاحها في 2002، والتشكل الأحدث للاتحاد الجمركي الأوروبي الآسيوي في عام 2008 هي بعض الأمثلة على محاولات روسيا لإعادة تأسيس هيمنتها وفرضها على المساحة التي غالباً ما كانت معتادة على التحكم بها مباشرة، حتى قبل تشكيل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. .

اندماج إشكالي
يظهر في هذا الكتاب كيف أن الاندماج الإشكالي لأوكرانيا في النظام الرأسمالي العالمي يخلق زعزعة في الاستقرار السياسي الداخلي، وفي الوقت الذي يغذي فيه التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يصبح النزاع المدني والمسلح ممكناً.. وتقول المؤلفة في الخاتمة لقد أوجد مزيج التسويق النيوليبرالي والكتلة (الرأسمالية) الحاكمة غير المتجانسة داخلياً وغير النزيهة المتمتعة بصلاحيات سياسية في أوكرانيا، حالة من الاحتراق في البلاد. لقد أصبح حكم الكليبتوقراطيين النيوليبراليين مترسخاً بشكل أعمق من ذلك.
فالحروب في الشرق أو البلاد تخدم الآن مسألة فرض المزيد من الإصلاحات التقشفية المضادة، والتي ستوحّد أيدي الأوليغارشيين بينما يبقون صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي في حالة من الرضى. كل هذا يأتي على حساب مزيد من الاعتماد على الديون الخارجية، ويجعل حكومة أوكرانيا أكثر عرضة للتدخل الخارجي في صنع السياسة المحلية، إضافة إلى جعلها تتعرض للخطر بشكل متزايد.
وتشير إلى أنه: «تم التأكيد على التطورات السابقة من خلال تنامي عدم قبول الرأي العام لبيان كييف الرسمي عبر الخروج المتواصل والمتزايد من الاحتجاجات في البلاد». وتضيف: «إن احتجاجات ساحة الميدان الثانية لم تجلب معها حتى الآن التغيير الذي مات العديدون لأجل إيجاده، إلا أنها مع ذلك كانت البداية فقط، وليست نهاية معركة المحرومين. أوكرانيا حبلى باحتجاجات مقبلة وأكثر عنفاً».

نبذة عن الكاتب

يوليا يورشينكو محاضرة في إدارة الأعمال الدولية، وباحثة في وحدة البحوث الدولية للخدمات العامة، ومركز تحليل شبكة الأعمال، ومركز أبحاث الاقتصاد السياسي في جامعة غرينتش. تساهم بكتاباتها في العديد من المجلات المتخصصة والمحكمة منها «مجلة أوروبا الوسطى المعاصرة وأوروبا الشرقية»، و«الاقتصاد السياسي الجديد». بدأت يوليا يورشينكو العمل مع إدارة الأعمال والاقتصاد الدولية في جامعة غرينتش في ديسمبر 2013. كانت تحاضر سابقاً في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في جامعة بورتسموث 2011-2013، أستاذ مساعد في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي العالمي في جامعة ساسكس2007-2013، ومنسق ومدرب دورة في مركز الدراسات الدولية في هيرستمونسيوكس، جامعة كوينز (كندا) 2013.

مقالات اخرى

Leave a Reply