استراتيجية ترامب تقوم على المواجهة

بيتر كورزون*

في 18 ديسمبر/كانون الأول، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية أمريكية جديدة للأمن القومي، يصر فيها على أن تظل بلاده على رأس هرم النظام العالمي، داعياً إلى مواجهة «قوى عدوانية» في العالم.
يلزم قانون أقره الكونجرس كل إدارة أمريكية بأن تحدد سياستها للأمن القومي. واستراتيجية الأمن القومي هي وثيقة رسمية يعلنها كل رئيس منذ 1986، وهي تصدر عادة مرة كل أربع سنوات.
وقد ركز ترامب خلال تقديم استراتيجيته على أن أمريكا دخلت عهداً جديداً من «تنافس إستراتيجي» ضد بقية العالم. وأكد أن «الولايات المتحدة تقود مرة أخرى على الساحة العالمية»، رغم واقع أن استطلاعات الرأي تظهر أن صورة الولايات المتحدة تضررت عالمياً.
وتقول وثيقة ترامب إن الولايات المتحدة تعيش «في عالم خطر بشكل غير عادي»، حيث إن هناك قوى منافسة «تعمل بصورة عدوانية لتقويض المصالح الأمريكية عبر العالم». وقال ترامب إن هذه الاستراتيجية تحدد خطوات مهمة للتعامل مع «أشكال جديدة من الصراع، مثل العدائية السياسية والاقتصادية». وتدعو استراتيجيته إلى «تقوية تحالفات إقليمية من أجل التصدي لهذه التهديدات، وجعل أمريكا تقود مرة أخرى».
وتتمحور الاستراتيجية الجديدة حول أربعة مقومات: حماية الوطن، تعزيز الازدهار الأمريكي، الحفاظ على القوة العسكرية الأمريكية بمكوناتها التقليدية، والنووية، والفضائية والمعلوماتية، وتعزيز النفوذ الأمريكي في عالم يحتدم فيه التنافس.
وتؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة ستبقى ملتزمة في الخارج من أجل خدمة المصالح الأمريكية.
وتتضمن الوثيقة قائمة بالتهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها بلدان وصفها ترامب بأنها «أنظمة شريرة»، هي تحديداً كوريا الشمالية وإيران.
ولم تتضمن الوثيقة أي إشارة إلى نذر التغير المناخي كتهديد – علماً بأن آخر استراتيجية أمن قومي أمريكية في 2015 اعتبرت التغير المناخي «تهديداً عاجلاً ومتعاظماً لأمننا القومي».
وتتصور وثيقة ترامب دولاً في تنافس دائم، وتعلن أن الولايات المتحدة ستدافع من طرف واحد عن سيادتها، حتى إذا كان ذلك يعني المخاطرة بانهيار اتفاقيات مع دول أخرى كانت جزءاً أساسياً من السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.
وتعتبر الوثيقة أن التنافس بين القوى الكبرى يحتدم مرة أخرى، وتقول إن روسيا والصين «مصمِّمتان على الحد من الحرية الاقتصادية، وتعزيز جيشيهما، وتوسيع نفوذيهما». وتحدد الاستراتيجية هدفاً هو بناء شراكة كبرى مع قوى منافسة – روسيا والصين – ولكن فقط «بطريقة تصون دائما أمننا القومي».
وفي الواقع، فإن لغة الوثيقة تقوم على المجابهة، إذ تدعو إلى التنافس، وربما المواجهة، مع روسيا والصين. وتعتبر الوثيقة أن هاتين القوتين تشكلان تهديداً سياسياً واقتصادياً لأمريكا، وأنهما «تحاولان إضعاف أمن وازدهار أمريكا. وهما مصمِّمتان على جعل الاقتصادات أقل حرية، وأقل إنصافاً» على المستوى العالمي.
ويلاحظ أن الوثيقة ذكرت روسيا بالاسم 25 مرة، ووصفتها بأنها تهديد، وقالت: «روسيا تهدف إلى إضعاف النفوذ الأمريكي في العالم، وإثارة انقسام بيننا وبين حلفائنا، وشركائنا»، في حين أن أسلحتها النووية «هي أكبر تهديد وجودي للولايات المتحدة».
ويشير فحوى الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر بعين الرضى إلى الاتجاهات الحالية في العالم، بل هي تريد عكس التيار، والتصدي لبروز أقطاب قوة أخرى، وتعتبر العالم حلبة منافسة.
والوثيقة لا تصف روسيا والصين بأنهما عدوتان، وإنما منافستان – وهذا أمر جيد.
ووثيقة ترامب حول استراتيجية الأمن القومي هي، إلى حد بعيد، وثيقة دعائية. فالرئيس الذي يتعرض لهجمات من كل الجهات يحاول أن يحتفظ بتأييد ناخبيه، ولهذا انتهج خط الجمهوريين المحافظين.
والصورة التي تقدمها الوثيقة بسيطة: هناك أشرار في العالم، مثل روسيا، والصين، وكوريا الشمالية وإيران، وأمريكا تتصدى لها وهي في طريقها إلى أن تصبح عظيمة مرة أخرى.
وفي المحصلة النهائية، هذه الوثيقة لا تقول أي شيء جديد: إنها مجرد تأكيد آخر لواقع أن الهيمنة العالمية الأمريكية تبقى الهدف، وكل شيء آخر هو وسيلة لتحقيق هذه الغاية.

*محلل يكتب حول الحروب والنزاعات – موقع «استراتيجيك كلتشر»

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply