الضحايا المجهولون لـ «الحرب على الإرهاب»

الضحايا المجهولون لـ «الحرب على الإرهاب»

أندرو بانكوم*

بعد 16 سنة من إطلاق «الحرب على الإرهاب»، قتلت أعداد لا تحصى من مدنيين عبر الشرق الأوسط نتيجة للحملة العسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان ثم العراق.
في فبراير/ شباط 2003، تحدث إيليوت أبرامز، المسؤول الأمريكي الذي أدين بالكذب على الكونغرس في قضية «إيران – كونترا» والذي أصدر الرئيس جورج بوش الأب عفواً عنه، إلى وسائل الإعلام حول الغزو الوشيك للعراق الذي قرره الرئيس جورج بوش الابن. وادعى أبرامز في تصريحاته أن العملية الوشيكة تهدف إلى «عملية إعادة بناء إنسانية»، قائلاً إن هناك ست أولويات أخذت بعين الاعتبار في التخطيط للغزو: «الأولى هي تقليل نزوح سكان والحد من تضرر البنى التحتية وتعطيل الخدمات… والحملة العسكرية التي تم التخطيط لها ستضمن أن السكان المدنيين سيتعرضون فقط إلى حد أدنى من الأضرار».
ولكن الأمور لم تجر على هذا النحو. فبعد 16 سنة من إطلاق ما يسمى «الحرب على الإرهاب»، انقلبت حياة ملايين من الناس رأساً على عقب، وترك تنظيم «داعش» ليتمدد ويعيث فساداً، بينما أصبح العراق مهدداً بالتجزئة. علاوة على ذلك، قتلت أعداد غير معروفة من المدنيين – نتيجة للأمراض وتفشي أوبئة، وعمليات تعذيب مارسها مقاتلون محليون وأجانب، ونتيجة للحملة العسكرية الأمريكية – البريطانية التي تعهد أبرامز ومسؤولون آخرون بأنها ستكون «عملية جراحية» سريعة ومن دون أضرار تبعية كبيرة.
ولكن في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقاً أجراه مراسلوها، وأظهر – خلافا لادعاءات البنتاغون – أن ضربة جوية من كل خمس ضربات أمريكية استهدفت «داعش» في العراق عام 2014 كانت تسفر عن مقتل مدنيين. وهذا يعني أن أعداد القتلى المدنيين نتيجة للضربات الجوية كانت أكبر ب 31 مرة مما اعترفت به الولايات المتحدة.
ورد البنتاغون على تقرير الصحيفة بتأكيده انه «يحرص جداً» على تجنب سقوط ضحايا مدنيين، وأن 786 مدنياً قتلوا عرضاً نتيجة للضربات الجوية والعمليات العسكرية التي بدأت ضد «داعش» في يونيو/ حزيران 2014.
وسئل المتحدث باسم البنتاغون اريك باهون عن مجموع القتلى المدنيين منذ غزو العراق في 2003، فأجاب بأنه يتعذر معرفة رقم دقيق.
وفي الحقيقة، لا أحد يعرف كم عدد المدنيين الذين قتلوا منذ أن أطلق الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير الغزو بذريعة تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل التي يملكها.
ومنذ غزو 2003، كان جيشا الولايات المتحدة وبريطانيا يحرصان بعناية على وضع سجلات دقيقة بأعداد جنودهما الذين قتلوا في أفغانستان والعراق: 2280 و4491 على التوالي بالنسبة للولايات المتحدة، و455 و179 بالنسبة لبريطانيا. ومع ذلك، لم يحاول أحد أبداً وضع سجل بأعداد المدنيين الذين قتلوا في العراق وفي مسارح عمليات عسكرية أخرى عبر الشرق الأوسط.
وعلى مدى سنين، حاول باحثون وصحفيون معرفة أعداد القتلى المدنيين، ولكن تقاريرهم بقيت محدودة.
وفي 2004، نشر باحثون في جامعة جونز هوبكنز دراسة قدرت أن ما لا يقل عن 100 ألف عراقي قتلوا نتيجة للحرب. وفي 2006، نشرت مجلة «ذا لانسيت» المرموقة دراسة رفعت أعداد القتلى المدنيين إلى 650 ألفاً. وفي 2015، قدر تقرير لمنظمة «أطباء من أجل مسؤولية اجتماعية» عدد الضحايا المدنيين بأكثر من مليون.
وفي الحقيقة، لا أحد يعرف الأرقام الحقيقية. والرقم الفعلي قد يكون مليون قتيل مدني، أو قد يكون مليونين.
وأكثر ما يذهل هو الفرق بين ما قيل في 2003 بشأن الحرص على سلامة المدنيين وبين ما أخذ يتبين في الواقع خلال السنوات اللاحقة.
لقد كانت الحروب دائما قذرة ودموية، وعملاً خطراً. ويجب ألا يتظاهر أحد بأن الأمر ليس كذلك.

*رئيس مكتب صحيفة «إندبندنت» البريطانية في نيويورك – موقع الصحيفة


Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply