الوقف الجماعي

د. عارف الشيخ

قال لي أحدهم: نويت أن أبني مسجداً في ثواب والدي، لكن مقدرتي المالية لا تسعفني، فأشار عليّ صديق بأن أشترك في بناء مسجد ومدرسة ملحقة بالمسجد في حيدر آباد فما حكم الإسلام في هذه الشراكة؟
قلت له: في البداية أرجو من الله أن يكتب لك الأجر الكامل في بناء المسجد الذي نويت بناءه وإن كانت مقدرتك المالية لم تمكنك من إتمام مشروعك.
والأمر الآخر هو أنك عندما تشترك في بناء مسجد أو أي عمل خيري، فلك الأجر على قدر مشاركتك، وما تفعله أنت وزملاؤك يعد في الإسلام وقفاً جماعياً، والوقف الجماعي هو الوقف الذي يشترك فيه جماعة من الناس، يسهم كل منهم فيه بما يقدر عليه.
يقول الدكتور أحمد الحداد من علماء دبي: «لم يكن الوقف الجماعي معروفاً في السابق كبحث مستقل عن غيره من أنواع الوقف، إلا أن التأصيل له يمكن من خلال ما يوقفه جمع من الناس لغرض واحد كأدوات الجهاد التي يحصل بمجموعها تحقيق غاية كاملة».
واستشهد شيخنا الحداد بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله» (رواه البخاري) ثم علق قائلاً:
«ومعلوم أن كثيراً غير خالد قد احتبسوا أدوات الحرب من خيل أو عتاد كما فعل عثمان رضي الله عنه يوم العسرة، وشاركه أبو بكر وعمر، فما قدموه كان وقفاً جماعياً». (انظر كتابه من فقه الوقف ص ١٥٩ ١٦٠).
إذن الوقف الجماعي كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا، ووجد في عهد الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك وقف سواد العراق، حيث إن عمر رضي الله عنه قسّم لقبيلة بجيلة (قبيلة جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه) ربع السواد، فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين.
ثم قال عمر: «لولا أني قاسم مسؤول لتركتكم على ما قسمت لكن أرى أن تردوا على الناس».
قال جرير: «وعاضني من حقي فيه، نيفاً وثمانين ديناراً أن السواد كله وقف». (انظر كتاب الأم للإمام الشافعي ج ٤ ص ٢٧٩).
نعم.. ومن يسهم اليوم في بناء مسجد أو مستشفى أو مدرسة يعد عمله وقفاً جماعياً، والوقف الجماعي من حيث حكمه وشروطه كالوقف الفردي، فلا يظن أحد بأنه إذا شارك ينقص أجره، فالله تعالى يقول: «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر» (الآية ٨ من سورة التوبة).
وأدلّ من هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهما، عندما ادّعى كل منهما أنه قتل عدو الله أبا جهل: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر الرسول في السيفين وقال: كلاكما قتله (رواه البخاري).
فليطمئن أهل الخير اليوم على أعمالهم الخيرية التي يقدمونها من خلال الجمعيات والصناديق الوقفية التي أنشئت على مرأى ومسمع من الدول والحكومات فهي مرعية شرعياً غير قابلة للتلاعب بها.

مقالات اخرى

Leave a Reply