ترامب ليس استثناء

جميل مطر

سئل الرئيس دونالد ترامب عن تبرير لعلاقته الودية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم علمه بأن تاريخ روسيا يؤكد أن قادتها من القتلة. أجاب الرئيس الأمريكي بأن ما يقوله الصحفي صحيح. هناك في روسيا كثير من القتلة، «نحن أيضاً لدينا كثير من القتلة. هل تظن أن بلدنا بريء تماماً؟!».
ورد هذا الاقتباس في مقابلة صحفية جرت بين الرئيس الأمريكي وأحد الصحفيين في مقال كتبه «Adam Hochschild» بالعدد الأخير من The New York Review of Books. أراد الكاتب في العرض الذي قدمه لثلاثة كتب صدرت أخيراً عن تطور الحياة السياسية في أمريكا عشية الحرب العالمية الأولى، أن يثبت أن ترامب ليس الرئيس الوحيد في التاريخ الأمريكي الحديث، الذي مارس التمييز العنصري عن اقتناع واستخدم القمع والعنف أو برر استخدامهما ضد معارضيه، وتعامل مع خصومه السياسيين باعتبارهم خونة للوطن.
جلب الرئيس ترامب لنفسه وإدارته وحزبه انتقادات واسعة داخل أمريكا، ولكن بالأخص داخل أوروبا والعالم الإسلامي حين نطق أو غرد بعبارته الشهيرة «أعتقد أن الإسلام يكرهنا، هناك شيء ما. هناك كره هائل. هناك كره لنا لا يمكن تصديقه». هنا أيضاً أثبت الرئيس خصائص عديدة تجمعت في شخصه. أثبت أنه الرئيس الأمريكي الأشد وضوحاً في تصريحاته المباشرة والعدوانية. أثبت أيضاً مرة أخرى سوء أو قلة خبرته وحنكته السياسية.
ماذا كان يمكن أن يحدث لمسلمي الولايات المتحدة والخصوم السياسيين للرئيس ترامب وعموم الإعلاميين الأمريكيين لو لم تكن هناك قيود استجدت بعد الحرب العالمية الثانية تحد من حرية السلطة الأمريكية في الانتقام والترويع؟ يطرح الكاتب هذا السؤال الذي سبق لكثيرين في أمريكا وخارجها طرحه منذ وصول الرئيس ترامب إلى الحكم بل وطرحناه أثناء الحملة الانتخابية، ولعلنا استبعدنا فوزه ونحن نجيب عن هذا السؤال. أتذكر هذا السؤال كلما وصل إلينا خبر أو تغريدة من أمريكا تحمل معنى مطاردة أو حبس أو ترحيل مهاجرين عاشوا في أمريكا عشرات السنين، أو تحمل معنى الاستهانة بقتل عنصريين بيض لسيدة بيضاء مثلهم، ولكن متعاطفة مع قضايا الأمريكيين من أصول إفريقية.
يجيب الكاتب Hochschild استناداً إلى ما ورد في كتاب للسيدة Margaret Wagner
بعنوان «أمريكا والحرب العظمى»، وكتب أخرى، فيقول إن إجابته موجودة سلفاً في أمريكا ذاتها قبل مئة عام بالتمام، أي منذ لحظة دخولها الحرب العالمية الأولى وربما قبلها بعشرات السنين. في تلك اللحظة ولسنوات ثلاث ونصف السنة، بعدها تعرضت أمريكا لحملة رقابة على الصحف غير مسبوقة في تاريخ الإعلام واعتقالات بالجملة وعمليات إرهاب وترويع للمهاجرين من أصل ألماني. صحيح أن الرئيس ويلسون ورث مجتمعاً منقسماً على نفسه ممتلئاً بالكره ومحباً للحرب وكارهاً للألمان ومتشبعاً بالأفكار العنصرية والعدوانية، التي غرسها حكم الرئيس تيودور روزفلت المعروف تاريخياً بعاشق الحروب، ولكن أيضاً لأنه، أقصد الرئيس ويلسون، لم يكن يخفي عدم اطمئنانه إلى تسعة ملايين مواطن ومهاجر من أصل ألماني وأربعة ملايين ونصف المليون من أصل إيرلندي ضد التحالف مع بريطانيا، ومئات الموظفين الفيدراليين المنضوين تحت لواء الاشتراكية وآلاف القياديين النقابيين الذين لا يعترفون إلا بحرب واحدة تدخلها أمريكا، وهي الحرب ضد الرأسماليين الأمريكيين. نشبت الحرب حربين: حرب في الخارج ضد ألمانيا وحرب في الداخل ضد كل من يشتبه في تعاطفه مع الألمان، وضد الصحف والمجلات اليسارية والنقابيين.
كان الرئيس ويلسون يقول بكل صراحة ترامبوية، إن صح التعبير، «هناك بين مواطني الولايات المتحدة، من أخجل بأن أعترف أنهم ولدوا تحت رايات دول أخرى. مغروس فيهم سم الخيانة وعدم الولاء، مخلوقات نشأت على عدم الإخلاص ويجب سحقها».
سبق دخول الحرب حملة ضد المواطنين من أصل ألماني قادها بنفسه الرئيس ويلسون لبث الفرقة والكره داخل المجتمع ضدهم. وما أن قامت الحرب إلا وراح الرئيس يأمر باعتقال المواطنين من أصل ألماني. نتحدث هنا عن ملايين الناس. اعتقلوا كل من يلقب باسم شميدت، حتى راح الناس يغيرون اللقب إلى سميث. أقاموا حفلات ليلية في شتى المدن لحرق الكتب المدرسية باللغة الألمانية، صدرت الأوامر باعتقال قائد أوركسترا أوبرا مدينة بوسطن اشتباهاً في أنه يرسل عبر الأنغام رسائل شفرية إلى القيادة الألمانية في برلين. أهالي مدينة برلين في ولاية آيوا غيرت اسمها فصار لنكولن، والهامبورجر أصبح سالزبري ستيك والحصبة الألمانية صارت حصبة الحرية، وراحت صحيفة New York Herald
تنشر أسماء السكان من أصل ألماني. وسط هذه التعبئة تشكلت فرق من «البلطجية»، أطلق على واحدة منها اسم فرسان الحرية لمساعدة الشرطة في القبض على النقابيين واليساريين والمتعاطفين مع الألمان، وتسليمهم للقائد العسكري المحلي لمحاكمتهم عسكرياً وإصدار الأحكام في أقل من نصف ساعة وشنق من تثبت إدانته.
ما الدروس التي يمكن أن تفيدنا من التعمق في دراسة حرب انتصرت فيها أمريكا عسكرياً، ولكن فقدت فيها معنى وقيم وجودها، وكشفت عن تناقضها، تناقض الممارسة مع المبادئ والأخلاق؟ أما الدرس الأهم، ولعله هدية السماء إلى الحكام، فهو الحرب. أن يذهبوا إلى الحرب إذا دعت ضرورة التخلص من عتاة الخصوم السياسيين في الداخل وتأزمت الحالة الاجتماعية أو الاقتصادية، عند الحرب لن تعتبر الحكومات الانشقاق عنها والاحتجاج ضدها مجرد أخبار زائفة وإعلام مغرض، وجهل أو نقص في المعلومات، بل خيانة للوطن.

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply