ثمن الاستباق

خيري منصور

فيما مضى من أيام حالكة السواد في التاريخ البشري كانت عبارة واحدة تكلف الإنسان حياته حتى لو كان عالماً من طراز برنو أو غاليليو؛ إذ يكفي أن يقول إن الأرض تدور حتى تحوله محاكم التفتيش إلى فحم بشري، ولو قال أحد في تلك الأيام، إن القمر الذي يغني له العشاق مجرد صخرة عملاقة سوداء لربما عوقب على ذلك، تماماً كما عوقب العالم الذي أعاد قوس قزح إلى مكوناته!
ولولا ما كابده رجال مضوا في عتمة تلك العصور من شقاء لما كنا الآن ننعم بهذه الحرية التي تتيح لنا أن نعلن الحرب العلمية على الخرافات، ويصبح ما كان محظوراً من المألوف والعادي!
فهل يأتي زمن بعد قرون يصبح ما هو محظور الآن وممنوع الاقتراب منه ملقى على الأرصفة وبمتناول كل الأيدي؟ أم أن التسارع وحرق المراحل سيجعل ذلك ممكناً بعد عقود فقط!
إن قدر من يرون أبعد من آفاق زمنهم هو قدر زرقاء اليمامة، التي فقئت عيناها؛ لأنها رأت ما لم يره الآخرون، وقالت إن ما يظنون أنه أشجار تمشي هو جنود يخفون أجسادهم تحت الأغصان.
وهو أيضاً قدر سنمار الذي دفع حياته ثمناً للصرح الذي شيده واحتفظ لنفسه بآجرّة هي كلمة السر والسحر معاً، بحيث إذا انتزعت من مكانها سقط الصرح كله، وتحول إلى أكوام من الحجارة.
ولأن قدر الإنسان هو أن يدفع ثمن الاستباق أو المعرفة أكثر مما يجب، فإن المقابر تعج بمن يستحقون إعادة الاعتبار، إضافة إلى الاعتذار!
وكريستوفر كولومبوس الذي اكتشف قارة عوقب أخيراً؛ لأنه لم يستطع أن يوقف بيضة الدجاجة على أحد الجانبين، ولو شئنا سرد حكايات عن هؤلاء لما انتهى بنا المطاف.
أخيراً، أليس من حق من سبقونا وعلقوا الأجراس وعبدوا الطرق واجترحوا الآفاق أن ندين لهم بالعرفان على مدار الساعة؟
والمفارقة أن بيننا الآن أمثال هؤلاء في مختلف المجالات؛ لكننا نصر على الانتظار مئات الأعوام كي نصدقهم ونعتذر إليهم!

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply