ثورات مستقبل الذاكرة

عبد اللطيف الزبيدي

ما هي أبعاد العالم الذي سيفتحه اكتشاف حقيقة الذاكرة؟ لا يلوح السؤال لا يُحدث الصدمة الصاعقة اللازمة. بطريقة أخرى: لديك حاسوب فيه الذاكرة الميتة (القرص الصلب) والذاكرة الحية(رام) والذاكرة الافتراضية التي يخدع بها نفسه، يصور لها أنه يملك ضعف الذاكرة الحية. الآن جرّد حاسوبك من هذه الأنواع من الذاكرة، ستراه ركام خردة.
خبراتك الطويلة، ذكرياتك المديدة، خزائنها تشبه الخادم العملاق(السرفر)،وهي أنواع من الذاكرة، قصيرة تمحي بسرعة ومتوسطة وبعيدة المدى ترافقك مدى الحياة، تخيل الآدمي من دونها، يمسي كومة لحم وعظم، خردة بشرية.حتى وقت قريب، لم يكن العلماء يعرفون مأوى الذاكرة، كانوا يتصورون أنها تسكن مناطق متعددة من الدماغ، كأن تكون لها شقة في كل حي من المدينة، من دون تحديد الموقع، وما إذا كانت المواقع متخصصة في أنواع معينة من المعلومات.
اختبار أنجزه باحث في جامعة كاليفورنيا، زلزل المفاهيم. لقد كشف مخبأ الذاكرة. أخذ إحدى الرخويات البحرية، درّبها طويلاً على تجنب صدمة كهربائية، ثم أخذ محتوى خلاياها العصبية، وحقنه في الخلايا العصبية لرخوية أخرى، فصارت تلقائياً تتجنب تلك الصدمة الكهربائية. الحقيقة العلمية القنبلة:الذاكرة في أدمغتنا جزيئات كيميائية صغيرة تسكن نواة الخلية العصبية، ويمكن عزلها وزرعها في نوى خلايا عصبية أخرى. معنى ذلك في أبسط وأدنى صوره، أنه وداعاً للزهايمر. تلك الجزيئات الضئيلة هي ذات طبيعة تتجاوز نطاق المورثات، لذلك تسمى ما فوق جينية أي أن عملها يرتبط أكثر بالحمض النووي. معنى ذلك أن الذاكرة هي التعبير عن وجودنا وكياننا، أي أننا ذاكرة أو لا نكون.
الأمور العلاجية مهمة ولكنها ليست الغنائم الإعجازية. تخيّل عظمة استنساخ لغة بكاملها في دماغ وزرعها في آخر. تخيّل أبناء السبيل على طريق نطق العربية في الفضائيات، تحقن أمخاخهم في لحظات بكل مخزون عربية الراحل العراقي مصطفى جواد(قل ولا تقل). تخيّل مساكين اللاطرب اللاعربي، المصابين بأنهم لا يعلمون أنهم لا يعلمون ما هي الموسيقى، لو زُرعت في نوى خلاياهم العصبية، خزائن المقامات وبدائع التلوين المقامي لدى أساطين الفنانين. مستقبل لا يمكن تصور المعجزات العلمية التي ستقوم على أن الذاكرة في أساسها معلومات مخزنة بطريقة خارقة، لكن نقلها لن يكون أعقد من نقل ما في الأسطوانات، الأشرطة الممغنطة، الأقراص المدمجة، فصاعداً فواعداً، إذا لم تكن كالعقل العربي قاعداً.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: كيف يمكن أن تعمل الذاكرة العربية، إذا كان شاعرنا يقول:«وما سمّي الإنسانَ إلا لنسيهِ»؟

abuzzabaed@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply