حوار عفوي مع يهودي «تقدمي»

د. فايز رشيد

تعلّمت الحذر الشديد من اللقاء مع من يسمون أنفسهم باليهود التقدميين! ذلك لأنهم في كثير من الأحيان يدّعون التقدميّة لأهداف يخفونها: مخابراتية، النفاد إلى مجالات لا تسمح لهم بالدخول إليها كصهاينة، تلصصية وأخرى غيرها. ذلك كما حدث معي مؤخراً في العاصمة الكوبية هافانا لحضور «كونفرنس» نظمه «مركز دراسة السياسة الدولية الاستراتيجي الكوبي»،وكان لقضايا الشرق الأوسط فيه نصيب كبير لهذا العام. معروف هو الحصار الأمريكي لكوبا منذ عقود طويلة، والذي يطال مجالات مختلفة، بدءاً بالبضائع، مروراً بالتحويل المالي والبنكي، وصولاً إلى الحصار الاتصالاتي والإنترنت، حتى أنه من الصعب من خلال الأخير معرفة أخبار الوطن العربي وفلسطين والعالم، كما أنه من الاستحالة بمكان إرسال رسالة أو مقالة لصحيفة تكتب فيها منذ عقود، ذلك أنه إن حصلت معجزة، واستطعت التقاط الإنترنت فهو بطيء إلى حد أنك بحاجة إلى نصف يوم لتفتح معك الرسالة!.
في اليوم الثاني للمؤتمرالذي استمر ثلاثة أيام كنت أقف مع أحدهم من المشاركين العرب في باحة المبنى المخصص لأعمال المؤتمر. فجأة يقترب منا شاب أبيض طويل، وجه التحية إلى الذي جانبي وقد تبين أنه التقاه قبلا،وانتقل إلي فسألته من أي بلد جاء فرد من «إسرائيل». شعرت وكأن النار تلسعني واستغربت، كيف أن يكون هذا لشخص ممثلاً للكيان في دولة مناصرة للقضية الفلسطينية مثل كوبا! كل ذلك حصل في لحظة قصيرة, فأخذ زميلي زمام الحديث متوجها إلى اليهودي قائلًا باللغة الإنجليزية: «بأنك تعرف أن«إسرائيل»التي تدعي المجيء منها لم تكن موجودة، وأنك في صميمك أنت وكل المستوطنين أمثالك تعرفون أنها فلسطين وأن دولتكم أنشئت قسراً بفضل الاستعمار, وأن دولتكم إلى زوال، لذلك مهما عاشت دولتكم، فستظلون تفتقدون الانتماء إليها، لأنها تلفظكم». ذهل اليهودي، وأجاب بأنه ولد في «إسرائيل»، فأجابه زميلي: «ولكن اسأل جدك وجد جدك من أين هو؟»، فأجاب بأنه يهودي تقدمي يحب السلام مع الفلسطينيين، فأجابه زميلي «إذن اهجر«إسرائيل»وتخل عن جنسيتك«الإسرائيلية».. وحتى لا يطول الحديث تركناه وحيدا.
ذهبت إلى مدير المعهد ديلاردو ونائبه سانتياغو وسألتهما مستغرباً حضور هذا الصهيوني للكونفرنس؟ فأجاب نائب المدير، بأن اسمه يوسف ميرنبرغ وأنه قدّم نفسه وطلبه للحضور كبريطاني لأنه يعيش في لندن، ويعمل كباحث في معهد دراسات بريطاني! حدثهم الباحث الفلسطيني بما حصل ونقل إليهما أجوبته. فوجئا وأكدا بأن المعهد سوف لن يستجيب لطلبه وأمثاله في مرة قادمة، وذكرا أن له ورقة عمل عن الشرق الأوسط سيقرأها في الثالثة بعد الظهر من ذات اليوم. حضرت بداية الجلسة المحددة وفي بداية قراءة الصهيوني لورقته، انسحبت احتجاجاً على وجود هذا الصهيوني المدّعي زوراً وبهتاناً بالتقدمية في الكونفرنس.
كنت أستمع إلى خطابه بواسطة سماعة الترجمة من خارج القاعة، للرد عليه فيما بعد، فتحدث عن«السلام»وكرهه الشديد لحكومة نتنياهو ولليمين الصهيوني،وأنه من أنصار السلام،غير أنه لم يتحدث مطلقاً عن حقوق الشعب الفلسطيني، ولم يدن الاستيطان وحرب الإبادة الجماعية التي تقترفها دولته ضد الفلسطينيين والعرب، ولا هدم البيوت ولا حرق الأطفال وغيرها من الفظائع والقبائح الصهيونية. وفي ذات الوقت الذي أنهى فيه حديثه دخلت إلى القاعة،وكان قد فتح الباب للمتحدثين للمشاركة في النقاش، ولحسن الحظ أعطيت الكلمة.
تحدثت بالروسية لعدم وجود مترجم عربي، وقلت بأن فلسطين كانت وستظل فلسطين عربية خالدة أبد الدهر، وأن ادّعاء الصهيوني الذي قرأ ورقته وتحدث مطولًا عن السلام ما هي إلا ادّعاءت كاذبة رأينا مثلها وسنرى مستقبلًا. وسألت الحاضرين ماذا يقترحون على الفلسطينيين للوصول إلى حقوقهم الوطنية بعد أن أغلقت الدولة اليهودية كل الأبواب أمامهم؟ عملياً، إن سن قانون«القومية»يغلق الطريق أمام ما يسمى ب«حل الدولتين», وحل الدولة الواحدة،أو ما يسمى ب حلّ«الدولة الثنائية القومية». صفق الحاضرون طويلًا، ومن بعدها لم أعد أرى الصهيوني في أيّ من جلسات الكونفرنس.

Fayez_Rashid@hotmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply