خارج الصين

تأليف: روبرت بيكرز

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

تعرضت الصين للغزو والإذلال والنهب من قوى خارجية في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ لكنها اليوم تنظر إلى القرن الحادي والعشرين؛ من خلال عدسة الماضي. التاريخ له أهمية عميقة للحكام الحاليين في بكين، ويوضح هذا الكتاب الذي بين يدينا السبب؛ حيث يتناول ما يشكل رؤية الصين للعالم في القرن الراهن، ويبين طريقة الصينيين في التخلص من الهيمنة الغربية.

«القومية مهمة في الصين، وما يهم في الصين يهمّ الجميع» هكذا يرى مؤلف هذا الكتاب المعنون «خارج الصين: كيف أنهى الصينيون عصر الهيمنة الغربية؟» الوضع في الصين. ويجد أن القومية الصينية الجديدة ليست متجذرة في قوتها الحالية، ولكن في ذكريات مخجلة عن نقاط ضعفها السابقة.

يحلل روبيرت بيكرز بشكل مدروس وجذاب بشكل جيد، الحقائق، ويفصلها عن الأسطورة؛ عندما يتعلق الأمر بفهم طبيعة القومية الصينية. يعدّ كتابه معاينة بانورامية للتعبير القوي بشكل متزايد عن الهوية الوطنية للصين في القرن العشرين، ومواجهتها المؤلمة مع الإمبريالية الغربية، وكما قالت «نيويورك ريفيو أوف بوكس»: عن عمله بأنه«مدعوم بأبحاث واسعة في الأرشيف، كما أنه كُتِبَ بنثر دافئ، وغالباً لا يسعى إلى الإدانة أو الاحتفاء بالوجود الغربي في الصين. بدلاً من ذلك، إنه تذكير مهم حتى عندما يُنسى تاريخنا المشترك في الغرب، فإنه يتم تذكره كثيراً،- وفي بعض الأحيان بطريقة مثيرة للاستياء – في بكين وشنجهاي اليوم».

يعد الكتاب تاريخياً مكتوباً بشكل جميل عن تفاعلات الصين في القرن العشرين مع العالم الخارجي؛ لكن بدلاً من القصة الضيقة التي تعزز الشرعية والتي يروجها الحزب الشيوعي الصيني، يروي بيكرز حكاية أكثر تعقيداً بكثير لقوى الجذب والرفض والترابط التي حددت على الدوام تعاملاً متنوّعاً بين الصين والعالم. الروايات المفصلة لهذا الكتاب هي تصحيحات جوهرية للحكاية التي رواها الحكام الحاليون لبكين.

يأتي الكتاب في 12 فصلاً بعد قائمة الرسوم التوضيحية، وقائمة الخرائط، وقائمة الاختصارات، والمقدمة، والفصول هي: «الهدنة، صنع الثورة، الأرض الجيدة، مناقشة الأمر، الصين في العقل، القرود تركب الكلاب السلوقية، حلفاء من نفس النوع، الخبراء الأجانب، ضوء آسيا، الوحوش والشياطين، الأعمال غير المكتملة، مسكون بالتاريخ».

التخلص من الهيمنة

يتتبع بيكرز العملية الطويلة والمؤلمة في كثير من الأحيان، التي استعاد بها الصينيون سيطرتهم على بلدهم. ويصف الفاسدين، والحداثة المتوهجة في شنجهاي قبل الحرب، والرقع الصغيرة في كثير من الأحيان من الأراضي الخارجية التي تسيطر عليها القوى الأجنبية، ومؤسسات هونج كونج وماكاو، والوسائل التي لا تعد ولا تحصى من التهديدات المسلحة، والتكنولوجيا، والحيل القانونية التي كانت الصين خاضعة لها حتى، تدريجياً، خرجت من قبضة السيطرة الغربية. هذا الاستعباد التعددي والجزئي للصين هو قصة لا تشمل القوى الأوروبية واليابان فحسب؛ بل الولايات المتحدة أيضاً.

يقول الكاتب: يجب فهم هذا التاريخ المعقد ليس لأجل التكفير عن خطايا الماضي؛ بل لإدراك المناظر الدولية في الصين بكل تناقضاتها، وعنفها، و«كوزموبوليتانيتها»، وطموحاتها. إن قصة الوجود الأجنبي في الصين في القرنين التاسع عشر والعشرين مهمة للغاية؛ بحيث لا يمكن تركها في أيدي الدولة الحزبية الصينية ونصها المعتمد.

ويضيف: «الرواية المقررة لهذه القصة جزئية، وتخدم نفسها بنفسها، وهي محرضة في نهاية المطاف. إن النزعة القومية الجديدة في الصين، والتي سمعنا المتظاهرين الغاضبين مراراً وهم يطالبون بالحرب وقتل اليابانيين؛ بحيث يمكن أن تنذر باحتمالات كارثية. لكن هذه ليست مشكلة يابانية فقط، ولا توجد دولة متواطئة في تدهور الصين بعد ثلاثينات القرن التاسع عشر – والتي تشمل معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة».

تعقيدات صينية

ويوضح الكاتب موقفه في العمل: ولأن التزود بالحقائق على نحو فاعل قد يساعدنا على فهم جذور ذلك الغضب؛ لذا كان هدفي في هذا الكتاب هو إظهار ذلك العالم بكل تعقيداته وكل سياقاته، وكلمة «تعقيد» هذه ليست غطاءً خفياً للحنين إلى الماضي أو أسلوباً تبريرياً لأمر ما. كان للوجود الأجنبي في الصين خلال القرن العشرين الحصة الأكبر من التعصب الأعمى، العنصرية، العنف، الجشع، وعدم الاكتراث الفظ والوضيع. هذه المظاهر يمكن ملاحظتها بوفرة في متحف الصين الوطني.

ويشير إلى أنه «في هذا العالم أيضاً، يمكنك أن تجد التعاون، التعايش، الائتلاف، والتحالف. كما تحدثت أصوات أخرى كثيرة عن الصين ووقفت معها ضد أعدائها، وضد الجهل والإجحاف في الخارج، وفي شوارع الصين. وهذا كله لا يزال غائباً عن شاشات العرض في بكين. كان هناك أيضاً خداع الذات والغرور، فضلاً عن قلق إنساني حقيقي واهتمام فني مجرد من الهدف. لقد كان هذا عالماً تداخلت فيه ضرورات أو معايير العالم الذي تمارس فيه القوة الاستعمارية مع (وساعدت في تشكيل) أشكال جديدة من العولمة وحركة الناس والسلع والأفكار».

«لقد كان العالم الذي أدمج فيه الناس في الصين كل أنواع الابتكارات القادمة من الخارج في النواحي الحياتية العديدة، وبنفس القدر صنعت ثقافتهم الجديدة بشكل ممتزج، وغير منضبط، جميع أنواع المكونات الأجنبية والأصلية معاً. الصينيون ومن جميع الأشكال السياسية لم يعملوا مع أو ضد الممارسة غير المنصفة وغير العادلة للسلطة السياسية الأجنبية في الصين، ومعاملة الصين في المحافل والمنظمات الدولية. أما الحزب الشيوعي الصيني فلا يحتكر الفضيلة القومية، وكان هو نفسه متواطئاً في استمرار تدهور السيادة الصينية خلال خمسينات القرن العشرين».

وقال الرئيس الصيني شي جين بينج في نوفمبر 2012 في ختام زيارته للمتحف الوطني: «لقد عانت الأمة الصينية من مشقات وتضحيات غير طبيعية في تاريخ العالم الحديث». وهي أمة شعبها «لم يستسلم أبداً، ناضل بلا انقطاع، وفي النهاية قرّر مصيره».

يقول الكاتب: خطاب الرئيس الصيني هذا، ومنذ ذلك الحين، وعد ب «حلم الصين»؛ «التجديد العظيم للأمة الصينية» والطموح الفردي، على غرار آمال المغنية الصينية آي جينغ في أغنيتها «عامي 1997». إن حلم الصين يرتكز على قصة كابوسٍ صيني لا يهدأ. نحن بحاجة إلى الاعتراف بهذه الحقيقة وفهمها، ولكن ليس بالضرورة تصديقها.

احتجاجات وتظاهرات

«خلال العقود الثلاثة الماضية كانت هناك سلسلة من التظاهرات الغاضبة والاحتجاجات، والمواجهات والإدانات الشديدة التي بدت أنها تؤذن بمرحلة جديدة وحازمة في علاقات الصين مع بقية دول العالم. وقد اندلعت هذه الأحداث؛ بسبب النزاعات الإقليمية، والقصف غير المتعمّد للسفارة الصينية في صربيا عام 1999 من قبل الطائرات الحربية لحلف شمال الأطلسي، والاحتجاجات على حمل الشعلة الأولمبية بالتتابع عام 2008، والمواجهات بين الطائرات العسكرية الأمريكية والصينية، وبسبب العديد من الخلافات الأخرى.

وقد انطوت هذه الأحداث على بيانات شديدة اللهجة صادرة عن زعماء ودبلوماسيين، كذلك إجراءات احتوتها الحكومة الصينية وخططت لها بدقة. كانت هناك تظاهرات سلمية فضلاً عن هجمات عنيفة على ممتلكات أجنبية في المدن الصينية. لقد رأينا أيضاً رواجاً للجدل القومي الفج الذي يحث الصين على قول»لا«؛»مرفوض«(أو ما هو أسوأ) للحكومات الأجنبية. ولكن إلى حدٍ كبير حالات كهذه هي استجابة الناس العاديين العفوية للأحداث، وليس خطاب الدولة بالذات.

«إن عمق الشعور وقوة اللغة المستخدمة فاجأت المراقبين الأجانب باستمرار، ولكن ما أثار حيرة الكثيرين هو حقيقة الحضور الكبير لإشارات العودة إلى الماضي في كل جولة من الاحتجاجات؛ الغضب شيء، ولكن هذا الوعي التاريخي بالتأكيد هو شيء آخر. فالبعض من هذه الأحداث التي اشتعل فتيلها؛ بسبب الماضي نفسه والاعتراض عليه، وعلى محتوى الكتب اليابانية، على سبيل المثال، أو بعض السلع الصينية المنشأ التي عرضت للبيع في مجمعات المزاد العالمية«.

»تعد النزاعات والحوادث والأحداث من الأشياء المعتادة في العلاقات بين الدول، ولكن لماذا يكون التعبير عن الردود تجاه هذه الوقائع في الصين عنيفاً للغاية في كثير من الأحيان، ولماذا يتم صياغتها بشكلٍ روتينيٍ على النحو الذي هي عليه؟ لماذا الاهتمام بالماضي؟ عصر خضعت فيه الصين لغزوٍ أجنبي، عندما وقعت أجزاء من البلاد تحت سيطرة يابانية أو بريطانية كمستعمرات، عندما كانت الزوارق الحربية البريطانية والأمريكية والفرنسية تقوم بدوريات في نهر اليانغزي، وحكم اليابانيون والبريطانيون والروس والألمان أجزاء من عشرات المدن الكبرى، وقد مضى أكثر من سبعين عاماً على ذلك، أليس ذلك مجرد تاريخ، مضى وانتهى تماماً الآن؟«

القومية الجديدة في الصين

»ينبغي فهم النزعة القومية الجديدة في الصين. هذه النزعة التي تكشفت بالتزامن مع التنمية الاقتصادية التي تهز عصر البلاد، وهي إلى حدٍ كبير، نتيجة منطقية لتلك القوة الجديدة المكتسبة بمشقة. يمكننا أن نتوقع بشكلٍ معقول أن تقوم الصين القوية اقتصادياً بتأكيد ذاتها في العالم، وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يستغرق القليل من الوقت للتعود عليه، إلا أنه سيحدث.

لكننا لا نستطيع أن نفهم هذه الظاهرة بشكلٍ صحيح، أو نتعلم كيفية التعامل معها، ما لم نفهم مدى عمق جذورها ليس في قوة الصين الحالية، ولكن في ضعفها في الماضي. علماً أن هذه النزاعات قد تشكلت في سياق تاريخ البلاد الحديث وتجربتها على أيدي القوى الأجنبية منذ أربعينات القرن التاسع عشر.

«تنظر الصين إلى القرن الحادي والعشرين من خلال عدسة التاريخ؛ فهي تقدر أحداث الحاضر والتحديات التي تواجهها من خلال تلك التي جرت في القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا ما نظرنا نحن أيضاً من خلال هذه العدسة فيمكننا أن نرى مدى عمق وطرق تموضع جذور النزعة القومية الجديدة للصين في عواصم الإمبراطوريات الأجنبية، وفي مستعمراتها وغيرها من الفروع في الصين نفسها. لكن بدلاً من الاكتفاء بالاعتراف بذلك، فإن خلاف هذا الكتاب هو أنه يمكننا فهم الحاضر فقط، إذا ما فهمنا فعلاً هذا الماضي، وإذا ما عرفنا المزيد عنه. إن هذا ليس مجرد خطاب، إنه تاريخ باقٍ لا يموت!».

ولعل ما قاله صحفي في «فايننشال تايمز» عن الكتاب خير ختام لهذا الملخص: «سعى كل نظام تم تأريخه في هذا الكتاب إلى تقليد التاريخ ليخدم أغراضه، ونظام اليوم ليس استثناءً… ومع الفوارق الدقيقة في الوقت الذي تتم فيه مهاجمة الرواية القومية للحزب الشيوعي، فإن كتاب بيكرز يذكرنا بأهمية الكشف عن حقائق الماضي المتضاربة والمتناقضة».

نبذة عن الكاتب

* كاتب ومؤرخ، له العديد من المؤلفات منها: الإمبراطورية التي صنعتني: رجل إنجليزي محنك في شنجهاي (منشورات بينغوين)، والتزاحم على الصين: الشياطين الأجانب في إمبراطورية تشينغ 1832-1914 (منشورات بينغوين).

* ولد روبرت بيكرز في ويلتشير، وعاش في قواعد القوات الجوية الملكية في جميع أنحاء إنجلترا، وفي ألمانيا وهونج كونج. درس في لندن، وحصل على زمالات في أكسفورد وكامبريدج قبل أن يشغل منصباً في جامعة بريستول عام 1997؛ حيث أصبح الآن أستاذاً للتاريخ.

مقالات اخرى

Leave a Reply