دعهم يلعبون

نور المحمود

كلما تمرّست في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات «الواتس أب»، كلما ازددت خبرة في قراءة الناس من خلال صفحاتهم، فتستطيع التمييز بين من يستشهد بحكمة أو يستعير كلمات لأدباء وفلاسفة عن قناعة بمضمونها، وهو مؤمن بها لدرجة أنها تمثله وتنطق بلسان حاله، ومن «يتفلسف» وكأنه الأستاذ في الحياة وأنت التلميذ (وإن تجاوزته سناً ووعياً ومعرفة).
نتواصل لنتحاور، نأخذ من بعضنا البعض الأفكار والمعلومات، إنه النقاش المفتوح بين مختلف أصناف البشر ومعتقداتهم وثقافاتهم، ويكفي أن يكون المرء صادقاً فيما يدوّن على صفحته كي يجذب الآخرين ويعبّر عن نفسه، إنما لا أفهم هؤلاء الذين لا يشبهون صفحاتهم، ولا أقوالهم ولا صورهم، والفرق كبير بين ما ينشرونه وما هم عليه في الواقع.
خذ من المواعظ والإرشادات و«افعل ولا تفعل»، و«حساب الدنيا والآخرة».. ما لا يحصى ولا يعد، فتسأل نفسك، ترى لو طبق هؤلاء «المبشّرين المنفّرين» ما يرسلونه إلينا لما تبدلت أحوالهم وارتقت أرواحهم أولاً؟
يلبسون أقنعة، يتجمّلون.. يشعرونك بأنهم أهل فضيلة باستمرار، «يغدقون» عليك بالمواعظ حتى بعد منتصف الليل، وكأنك الشيطان وهم الملائكة على الأرض. معلومات ومعلومات، وقال فلان وأكد علاّن.. فماذا تفعل؟ هل تصدهم ب «بلوك» وترتاح، أم تتجاهلهم ببساطة ولا ترد ولا تقرأ، علّهم يملّون فيتراجعون من تلقاء أنفسهم؟
لا بأس، دعهم يلعبون دوراً في هذه الحياة، لربما أغرقهم الفراغ في دوامة ولم يجدوا لهم منفذاً سوى ارتداء زي الواعظين والمرشدين وأصحاب الفضيلة.. لكن ما ذنبك أنت كي تتدفق عليك الرسائل والصور ومقاطع الفيديو كالشلال فتغرق هاتفك دون أن ترويك ولو من باب العلم والمعرفة؟
كل وسائل التواصل الاجتماعي صارت متنفساً للبعض يعبر من خلاله عن رأيه، ووظيفة للبعض الآخر، يرسم من خلالها لنفسه صورة اجتماعية معينة، يتجمل بها ويضع نفسه في مناصب وأماكن يتوهم أنها حقيقية. فليفعل كل ما يحلو له، إنما دون استخدامنا نحن وسيلة لتفريغ تلك الطاقة والأوهام. والمصيبة أن كثيراً من تلك الرسائل التي تصلك عبر هاتفك أو يكتبونها على صفحاتهم، مكتوبة بصيغة الأمر، والويل لك إن لم تقل أو تفعل أو تشارك أو تبدي إعجابك وتعيد إرسالها..
كلّ يعبّر عن مكنونات نفسه، حتى المزيّف يعبّر عن نقص ما في داخله، ومن تفيض صفحاته حباً وفرحاً وضحكاً وجرأة وحكايات غير افتراضية.. تتمسك بصداقته ولو لم تكن تعرفه ولم تلتقه يوماً، تكتشفه من كلماته وتتبادل معه الحوار الحقيقي في العالم الافتراضي، وتنتظر اللقاء كل يوم، وإن غاب تسأل عنه وتطرق بابه «إلكترونياً» لتطمئن عليه.

noorlmahmoud17@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply