رغماً عنك.. وبكل الحب والرضا

نور المحمود

نكبر سناً، ونصغر رغماً عنا، إنما بكل الحب والرضا.
مع صغارنا نعود أطفالاً رغماً عنا، نركض، نرقص، نُتأتئ، نغني بأصوات عجيبة وبنشاز يصم الآذان، ولكننا نغني ونفرح. نفترش الأرض، نقفز، نصدر أصواتاً، نقلد الحيوانات، نصير فراشات، نغزل خيوطاً، نرسم ونشخبط على الأوراق، نعيد تهجئة الحروف وتزويقها، ونسترجع مراحل الطفولة خطوة خطوة، رغماً عنا، وبكل الحب والرضا.
يكبرون، نكبر معهم، لكننا نبقى مثلهم صغاراً. معادلة ليست سهلة، أن تجعل العمر حبالاً تقفز بينها ثم تمسكها بين يديك فتقلّصها لدقائق أو ساعات، ثم تعيدها إلى حجمها الحقيقي. تخوض مغامراتك خلال نشأتك، وتخوضها بشكل مختلف مع صغارك.. ورغماً عنك.
تعيش مراهقتك ومراهقتهم، مع اختلاف في التفكير، عليك أن تعود بالزمن لتتذكر الإحساس وتتقولب داخل أفكار تضج بالحماس والاندفاع والجموح نحو التهور، بينما النضج يفرض عليك الاتزان والوعي لأنك صرت خبيراً بالمطبات، ذقت طعم الألم ووقعت كثيراً ونهضت كثيراً وبقيت تدور في دوامة التساؤلات نفسها. الدهشة والانبهار صارا لحظة فرح عابرة، فأنت تعرف كيف تزيل الغشاوة عن عينيك لتعطي لكل حدث أو موقف حجمه الحقيقي والطبيعي، إنما رغماً عنك عليك أن تلامس هذا الإحساس مجدداً، لتعيشه مع صغيرك وتحسن تقدير مشاعره وتفهم المرحلة التي يمر بها.
تتعالى أحياناً، وتنسى أنك كنت مثله تماماً، مع اختلاف المؤثرات التي تفرض على كل زمن ووقت تقلباته والأهواء والموضة والتطلعات. تنتشله رغماً عنه من عالمه، ترفعه إلى مستوى وعيك وخبرتك وتضعه على كرسيك لتخاطبه بنديّة، والمفروض أن يستوعب ويتسلح بخبرتك أنت، ويتجاوز كل الأخطاء التي مررت بها أنت، وألا يخوض تجاربه الشخصية. تريد أن تختصر عليه مسافة الألم، وتقرّبه أكثر من مرحلة الاكتساب بلا أخطاء وبلا خسائر، وتحذره وكأن عقله الواعي سيلقي على الطفولة والمراهقة تحية عابرة ويمضي سريعاً نحو النضج والفهم والاستيعاب.
رغماً عنك وعنه، تعيشان نفس المرحلة بنظرتين مختلفتين، بإحساسين متناقضين، بخوفين متلاقيين، خوفه من الألم المستحق وخوفك عليه من هذا الألم. ورغماً عنكما، يتسلل إلى كل منكما إحساس بأن الآخر لا يفهمه ولا يقدّر مشاعره ولا يستطيع الوصول إلى حيث هو ليرى الموقف من وجهة نظره وبعينيه.
لستما غريبين، فحبال العمر مطاطة، تصعد بنا فنكبر، ثم تصغر فننزل معها لنصير من جديد أبناء أنفسنا؛ نضع ذواتنا في أبدان صغارنا، وحسبنا أننا نجنبهم الوقوع في المطبات، بينما المطلوب أن نستعيد الزمن لنستوعب زلاتهم ونستبق المطبات باحتضانهم فيكون الجرح طفيفاً وأقل نزفاً، والنهوض سريعاً.

noorlmahmoud17@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply