عين واشنطن على إسلام أباد

د. محمد الصياد

أهمية باكستان الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، كما هي أهمية إيران الشاهنشاهية الاستراتيجية، بالنسبة لها في منطقة يمتد حزامها ليشمل جنوب آسيا وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط.
ما إن قررت النخبة الإسلامية الباكستانية الانفصال عن الهند في نفس العام الذي نالت فيه الهند استقلالها عن بريطانيا في عام 1947، حتى استغلت الولايات المتحدة حالة العداء التي اندلعت بين البلدين، واختيار الهند نهجاً وطنياً استقلالياً، مقابل باكستان التي دفعتها ظروف الجيرة السيئة منذ البداية مع الوطن الأم، نحو الارتماء في أحضان الولايات المتحدة. فكان أن أضحت باكستان منذ ذلك الحين، ولأكثر من سبعة عقود، تدور في الفلك الأمريكي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً. واستخدمتها واشنطن قاعدة انطلاق رئيسية «للجهاد» الإسلامي ضد السوفييت في أفغانستان، رغم الكوارث العظمى المترتبة عليها، وفي مقدمتها كارثة التنظيمات الإرهابية التي تستمر باكستان في دفع فاتورتها، وستظل تفعل ذلك إلى أمد بعيد.
ولكن، وكما يقول المثل: دوام الحال من المحال، فما إن تسلم الرئيس ترامب مفاتيح البيت الأبيض، حتى تحول الانزعاج الأمريكي من تزايد دفء العلاقات بين باكستان والصين، وبينها وبين روسيا، مقابل فتور حماس باكستان «للتعاون» الأمني مع واشنطن، إلى تصريحات أمريكية حادة تبعتها تهديدات لإسلام أباد. ثم جاء قرار المؤسسة العسكرية الباكستانية بالاستدارة الكاملة على تموضعها التقليدي، ودعم نجم الكريكيت السابق وزعيم حزب «حركة الإنصاف» عمران أحمد خان، الذي كان أعلن أن باكستان ستكون حليفاً للولايات المتحدة في السلام لا في الحرب، ليزيد غضب الطبقة السياسة الأمريكية الحاكمة على باكستان وعلى مؤسستها العسكرية، التي بدأت على ما يبدو، تتململ من الوصاية الأمريكية عليها.
وكان الرئيس الأمريكي قد غرّد قائلاً بالنص: «لقد منحت الولايات المتحدة، بغباء، باكستان أكثر من 33 مليار دولار على مدار السنوات الخمس عشرة الأخيرة، ولم تعطِ باكستان الولايات المتحدة بالمقابل أي شيء، سوى الأضاليل والخداع واعتبار قادتنا مجرد حفنة من الأغبياء. ولكنها بالمقابل وفرت ملاذات آمنة للإرهابيين الذين نلاحقهم في أفغانستان، وحتى مساعدتها لنا في هذا الجانب لا تكاد تذكر من ضآلتها».
وقد قامت واشنطن بالفعل، بتعليق استفادة باكستان من برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي الأمريكي، وبموجب هذا البرنامج تقوم الولايات المتحدة بتعليم وتدريب ما بين 60-70% من ضباط الجيش الباكستاني سنوياً في الولايات المتحدة، بما في ذلك الكلية الحربية للجيش الأمريكي التي تعد إحدى أفضل الكليات الحربية في العالم.
والغريب في الأمر مسارعة واشنطن للتضحية بأحد أهم «استثماراتها» في مستقبل باكستان؛ أي المؤسسة العسكرية، من حيث كسب ولاء كبار ضباطها عبر هذا «الترتيب الخاص» (التعليمي والتدريبي). ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تعير هذه الأيام كثير اهتمام «للاستثمار» في مستقبل علاقاتها الدولية، بقدر توجيه وتركيز اهتمامها على انتخابات الكونجرس النصفية (نوفمبر القادم)، وإعادة انتخاب الرئيس في 2020.
وفي يوم الأحد 2 سبتمبر 2018، كشف تقرير لرويترز، أن وزارة الدفاع الأمريكية ألغت مبلغ 300 مليون دولار مخصصاً لباكستان، في إطار ما يسمى «صندوق دعم التحالف»، الذي كان الرئيس ترامب أمر بتعليقه في وقت سابق.
وقد بررت واشنطن هذا القرار، بتوفير باكستان ملاذات آمنة للمقاتلين الأفغان المسؤولين بحسب واشنطن عن استمرار الحرب في أفغانستان لسبعة عشر عاماً. بالمقابل، فقد ذكرت إذاعة «صوت أمريكا»، يوم الثامن من أغسطس 2018 أن باكستان وقعت لأول مرة اتفاقية مع روسيا، لتدريب ضباط الجيش الباكستاني. ليس هذا فحسب، وإنما قامت روسيا بتسليم باكستان طائرات هليكوبتر مقاتلة من طراز Mi-35M
، كما أجرى الجيشان الروسي والباكستاني مناورتان عسكريتان، في إطار ما سماه الجانبان مكافحة الإرهاب، وشاركت قواتهما البحرية مؤخراً في تدريبات مشتركة لمكافحة تهريب المخدرات في بحر العرب.
وفي منتصف أغسطس المنصرم، شاركت سفينة حربية باكستانية في موكب «يوم البحرية الروسية» الرئيسي في سان بطرسبرج.
الآن سيتعين على باكستان أن تختار بين العودة الصاغرة «لبيت الطاعة الأمريكي»، أو تختار بالمقابل السير في مشروع الكوريدور الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي سيمتد من أقاليم غربي الصين مروراً بباكستان وصولاً إلى البحر العربي، بتكلفة تبلغ 66 مليار دولار، إضافة إلى الروابط الاقتصادية والعسكرية التي تربط الصين بباكستان، والتي تبدو بالنسبة لباكستان، من النواحي التجارية والسياسية والاجتماعية أكثر فائدة وجدوى، من علاقتها غير المتوازنة وغير المستقرة مع الولايات المتحدة.

alsayyadm@yahoo.com

مقالات اخرى

Leave a Reply