في شقة ماركيز

د. حسن مدن

أقصى ما يمكن لأحدنا أن يتخيله، في حدود الموضوع الذي سنأتي عليه الآن، هو أن يرتاد مقهى من المقاهي، ليجلس على ذات الطاولة التي كان يجلس عليها كاتب أو فنان مشهور اعتاد أن يرتاد هذا المقهى بالذات. هذا أمر غير مستحيل وممكن الحدوث.
كاتب كبير مثل نجيب محفوظ عرف عنه شغفه بالجلوس في المقاهي، وحول ذلك قيل وكتب الكثير، بل إن ما يشبه السيرة لمقاهي محفوظ قد كتبت، من زاوية علاقته هو بها، والكثير من هذه المقاهي ما زال موجوداً في القاهرة حتى اليوم. لا أعلم كيف يتصرف أصحاب هذه المقاهي مع الزاوية التي يختارها محفوظ عادة ليجلس أمام إحدى طاولاتها، بعد أن رحل الرجل عن الدنيا، ولكن بالتأكيد ستكون هناك حصافة من نوعٍ ما لو أنهم أولوها اهتماماً، وجعلوا منها مكاناً يشدّ اهتمام الزوار.
ليس نجيب محفوظ هو الوحيد من الأدباء والكتاب الذين ألفوا الجلوس في مقاهٍ بعينها، ارتبطت، فيما بعد بأسمائهم، ومن هؤلاء الفرنسي جان بول سارتر، بصحبة رفيقته سيمون دو بوفار ومريديه، ومثله كثيرون.
وبالوسع زيارة هذا المقهى وتخيل كيف كان سارتر يقضي وقته فيه، يتحدث أو يكتب أو يصغي لمن حوله، أو يتأمل الشارع، لكن أن يسكن كاتب في شقة سبق لكاتب آخر أن أقام فيها قبل نصف قرن أو أكثر، فذلك ليس من الأمور المألوفة، خاصة إذا كان اسم هذا الكاتب مالىء الدنيا وشاغل الناس كجابرييل ماركيز.
هذا ما حدث، على سبيل المصادفة وحدها، وفي هذا جاذبية لا تقاوم، مع كاتبة أرجنتينية أتت برشلونة كي تقيم فيها، وبدأت بالبحث عن شقة تكون لها مأوى، فشاءت الأقدار أن تحصل على واحدة مناسبة تقع في شارع اسمه «شارع الأرجنتين». تلك مصادفة جميلة أخرى: كاتبة من الأرجنتين تقيم في شارع يحمل اسم بلدها.
المصادفة الأكبر ليست هنا، وإنما فيما عرفته بعد أن سكنت في الشقة، وهي تطالع سيرة كتبت عن ماركيز أنه أقام في هذه الشقة مع زوجته مرسيدس وابنيه عندما كانا طفلين بين نوفمبر 1967 وفبراير 1969. وكان ماركيز أتى المدينة ليكتب روايته «خريف البطريرك» عن حياة أحد الجنرالات الطغاة في أمريكا اللاتينية، وقال في مقابلة صحفية أجريت معه بعد ذلك بسنوات إنه اختار إسبانيا ليكتب فيها هذه الرواية بالذات ليراقب عن كثب سلوك الجنرال فرانكو الذي كان يحكمها حكماً مستبداً آنذاك، كي يستوحي من ذلك ملامح الديكتاتور الذي تتحدث عنه روايته.
لا مجال هنا لعرض السرد الشائق الذي قدمته لوشيا بينافيديس، وهذا هو اسم الكاتبة لهذه الحكاية، والمشاعر الغريبة التي انتابتها وهي تتخيل شبح ماركيز يطوف بالشقة، ولكني أدعوكم لقراءة الترجمة الرائعة للمترجم أحمد شافعي للحكاية المنشورة في العدد الأخير من مجلة «الفيصل» السعودية.

madanbahrain@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply