قبيلة تسمى «الإمارات»

أحمد علي الحمادي

المشهد الأول: قبائل متفرقة تعيش في دويلات صغيرة تبحث عن المرعى والماء وتسعى لِلُقْمَةِ عيشها بجهد مُضْنٍ، تتآلف أغلب الوقت وتعتريها بعض النزاعات أحياناً إذا ما سعى واشٍ أو حقود للنيل منها، لكنها تعود لحياة أكثر طيبة وسلاماً وكدحاً معظم الوقت.
المشهد الثاني: قبائل اصطفت بإيمان ومحبة خلف قائد استطاع بإنسانيته العظيمة أن يوحِّد صفوفها ويلمّ شملها ويقوي من عزائمها ويجمعها في دولة واحدة، أسّس بنيانها على المحبة والسلام والقوة والعلم والعمل، فمشت في طريق النور حتى أضحت منارة للسلام في العالم، منارة اسمها دولة الإمارات العربية المتحدة.
والمسافة بين المشهدين كانت جبّارة في خطواتها، جبّارة من قائد مُلهم استطاع بحكمة الحب في قلبه أن يجمع أبناء أرضه جميعاً تحت راية سلام واحدة، هم تحت ظلها أهل وإخوة وكيان كبير مشترك. وجبّارة هذه الخطوات أيضاً بفضل قبائل حرّة، أبية، مؤمنة، تجري في دمائها قيم وشيم وأخلاق رفيعة مهما واجهت من تحديات وصعوبات، فترسخت بين القائد والقبائل علاقة قلّما وجد العالم لها مثيلاً.
فهذه القبائل المكونة من أبناء هذه البلاد الطيبة كانت دوماً هي الشريك الأول والأكبر والأهم في هذه التجربة الإماراتية مع قائدها المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – وبدورها كانت هذه القبائل هي الداعم والمحفّز والمحرّك لكل حجر أساس في الكيان الإماراتي المبارك.
وتحضرني هنا الكلمة الجميلة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في افتتاح مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي في إشارته الطيبة لقبائل الإمارات حينما قال: «إنّ هذه الإمارات أصلها قبائل، هي التي وقفت وقاومت وحافظت على هذه الأرض، وعلينا أن نمكّنهم ونرفع شأنهم فهم الخير والبركة في هذه الأرض».
الحقيقة أن العلاقة الوطيدة التي نشأت بين حكام الإمارات وهذه القبائل التي تمثل شعب الإمارات وأبناءها هي علاقة دم وقربى ونسب ودين ولغة ومصير مشترك ومحبة صادقة قبل كل شيء، وإخلاص من نوع فريد في الولاء والانتماء، لذا تسعى هذه القبائل دائماً لتجسيد ذلك الحب وذاك الولاء في كل وقت يتسنى لها ذلك.
وها هي وعبر احتفالية الإمارات بيومها الوطني 46 تأتي مسيرة الاتحاد لتجدد العهد والوفاء للإمارات وقادتها على أن يظل البيت موحَّداً بقلوب أبنائه، بسعيهم، بإصرارهم، بإنجازاتهم، وأهدافهم التي تكبر كل يوم.
مسيرة الاتحاد جمعت بين قادة الإمارات وشعبها من جميع القبائل التي تجاوز عددها 130 قبيلة في أجمل وأبهى صورة يمكن أن تشاهدها، جمالية هذا المشهد تتجلى في البساطة والعفوية والأخوة التي يتلاحم فيها قائد مع شعب، وتبرز هذه الملامح الفريدة في اللقطات التي شارك فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أبناء الإمارات احتفاليتهم وهم يؤدون اللوحات التراثية الوطنية، فالمحبة المتوهجة شكرًا وامتناناً لله العظيم على قلعة الحب هذه، كانت هي الحالة التي تشعّ من ملامح محمد بن زايد ملتحماً مع أبناء وطنه بلغة جسد بدا واضحاً صلته الوثيقة والحميمة الآمنة المطمئنة بين أهله وناسه الطيبين.
أما بهجة أبناء القبائل وسعادتهم بكل ذلك فهي حالة من الصعب الكتابة عنها، يكفيك فقط أن تشاهد لمحات منها لتدرك معنى الوفاء الإماراتي.
وهكذا تستمر دولتنا محبة حكيمة في خطها الثابت المستنير الواثق عبر قيادات فذّة مثل محمد بن زايد الرجل الذي يأبى إلاّ أن يشارك شعبه تفاصيل حياته مهتماً بأفراحه، آلامه، طموحاته، إنجازاته، أحلامه عبر علاقة مثيرة لا يشبهها إلاّ علاقة الوالد بأبنائه، وبين قبائل لم يكن همها التعالي إنما قبائل تعالت وسمت خصالها لتكون الحضن والحصن والملجأ لأبنائها في كل وقت، فهي الأم والأب والجد والعم والخال، هي الدرس الأول والحكمة والمساند والمعلم قبل كل معلم، هي درع الوطن الأول وهمه الأكبر، والشريك المحب الوفي على طول الطريق، وحبات العقد الفريد التي تتكاتف لتكوّن القبيلة الأم دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه القبيلة الكبرى التي تنضم تحتها قبائل الإمارات جميعها، القبيلة التي تثمّن الإنسان كإنسان وتثمّن القبيلة باعتبارها مؤسسة العلاقات والروابط الإنسانية الأولى، لذا ستجد هنا الكل له تقديره ومكانته ودوره ورسالته إنساناً كان أو قبيلة، فالكل يعمل لأجل غاية أكبر لأجل قبيلة تسمى الإمارات.

Ahmed.alhammadi707@gmail.com

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply