لاجئو الأمل من رحم الألم

لاجئو الأمل من رحم الألم

سلطان بن أحمد القاسمي
في أكبر مخيم لجوء في الشرق الأوسط وثاني أكبر مخيم في العالم استقبلني عبد الله ابن الأعوام التسعة بابتسامة مشرقة ونظرة حياة ترنو نحو المستقبل، ليبدد على الفور تلك الصور المقلقة التي حملتها مخيلتي عن أوضاع اللاجئين قبيل ذهابي إلى مدينة اللجوء المؤقت في منطقة الزعتري الواقعة على الحدود الأردنية السورية.
عبد الله واحد من آلاف الأطفال الذين اغتالت ظروف اللجوء الكثير من أحلامهم الصغيرة بعد أن كُفّنت ألعابهم وسلبت حقائبهم المدرسية وأخليت مقاعدهم الدراسية. لتؤثر تلك الظروف في نضوج عبد الله المبكر بفكره وطموحه. فرغم أنه لم يعد يغفو على حكايات الأطفال وبات ينام على ذكريات وطن فإنه يمتلك الإرادة والتحدي من أجل الحياة.. على أمل العودة القريب…
حدثني عبد الله بنبرة واثقة عن طموحه وعن عائلته وزواج شقيقته الذي احتفلوا به في المخيم الآخر «الإماراتي الأردني» وعن مخططاته المستقبلية لنستبشر بتفاؤل عبد الله بجيل قادر على تطويع الظروف للسير قدماً بحياة طبيعية وبناء مستقبل أفضل.
خلال رحلتي على الطريق الصحراوي المؤدي إلى مخيم يمتد على طرفي الحدود ويحتضن 80 ألف لاجئ جعل منه واحداً من أكبر التجمعات السكانية الأردنية، كانت تدور في مخيلتي مفاصل حياة المهجرين في المخيم الذين تحولت بيوتهم وأحياؤهم إلى ركام، ودفعتهم فجائع كثيرة لهجرة قسرية.. وأخذني التفكير نحو ما ترتب على اللجوء من فوضى وما أصبح عليه أهل المخيمات من سوء الأحوال في صحراء مترامية بعد معاناة مع الألم بعيداً عن أرض الوطن؟.. إلاّ أن الطمأنينة بدأت تتسلل إلى النفس بحقائق مغايرة لحياة ما بعد اللجوء لتمدنا بدفعة معنويات فور مشاهداتنا لواقع مخيم فيه الكثير من العبر والدروس الذي بدأ ملجأ للأمان وبات اليوم مسرحاً للحياة…
لا بد من أن ثمة فرقاً شاسعاً بين حضن الوطن وأرض اللجوء. إلاّ أنه منذ دخول بوابة المخيم الرئيسية وجدت في «مخيم الزعتري» و«المخيم الأردني الإماراتي» ما يشفي النفس وما يخفف من وطأة تبعات اللجوء…ففي المكانين أناس من المسلمين والمسيحيين من مختلف الطوائف تمكنوا من هندسة فوضى اللجوء بالمحبة والترابط والتآخي لتجمعهم إنسانيتهم وقضاياهم المشتركة على غنى النفس وحب العطاء.
والمخيمات التي تشكل نموذجاً بترابط أهلها، دفعت قضاياها المجتمع الدولي للترابط أيضاً والالتفاف حولهم ففي المكان تجد المرافق والخدمات الرئيسية اعتلتها لافتات لأسماء دول ومؤسسات وجهات مختلفة من حول العالم وتجد فيه أجناساً بشرية ولغات متعددة تكاثفت لتقديم العون والمساعدة.
وفي المخيم ترجلنا بأمان وطمأنينة في العديد من الأماكن حتى وصلنا إلى سوق واسعة ومتنوعة أطلق عليها أبناء مخيم الزعتري «الشانزليزيه» الذي حول المخيم إلى مسرح حياة لما يحتويه من المحال التجارية التي تتزين بألوان الفرح، وفيه المقاهي والمطاعم وغيرها من المحال الحرفية ما جعل من حياة المخيم أكثر حيوية لممارسة الأنشطة الإنسانية والتجارية المختلفة.
وجوه متعددة صادفناها خلال تجوالنا منها ما ارتسمت عليه ابتسامات يخالجها الألم، تمكنت بإصرارها على الحياة من تحويل الألم إلى أمل والعمل بطاقة إيجابية لتغير مجرى حياة مخيمات اللجوء بما هو مفيد.
طيب الأخلاق والكرم والجود صفات كل من التقيناهم من أبناء المخيمات الذين جاؤوا إلينا محملين برغبات جامحة للعطاء دون الأخذ، رغم ما يحيطهم من ظروف مغايرة لأوطانهم ليثبتوا أن تغير الظروف لا يغير الأخلاق والقيم، وهنالك الكثيرون من أبناء المخيمات الذين يحملون الشهادات العلمية ويمتهنون الحرف المختلفة التي وظفوها في تسيير أمور حياتهم بشكل طبيعي وممارسة أنشطتهم المهنية المختلفة حتى لا يكونوا عالة على أحد.
وجدنا المخيمات تخلو من الصراعات وتسير فيها الحياة بشكل منظم مما جعلها تتفوق على الكثير من المناطق الحضرية، بما فيها من أنظمة إلكترونية متطورة تستخدم لتسيير الأعمال والحياة والعمل والنشاط. ومن مشاهداتي المطمئنة خلال زيارتي لمخيم الزعتري والمخيم الأردني الإماراتي وجود العديد من الطلبة المتفوقين الذين تمكنوا من تحصيل درجات علمية في المراتب الأولى على مستوى جميع المدارس الأردنية وفق منهاجها التعليمي ليستحقوا بها منحاً جامعية حصلوا عليها بعزمهم وحرصهم على بناء مستقبلهم وتحدي ظروف اللجوء.
قد يكون اللاجئ غادر وطنه قهراً لكنه لم يزل مسلحاً بعلمه وثقافته ومهنته وله وضعه الاجتماعي ومكانته مما يتطلب منا جميعاً مراجعة أفكارنا حول احتياجات اللاجئ التي لا يجب أن نحصرها بالأمور المادية فقط.. فأي فقر مادي بعد خسارة الوطن، ولننظر إلى الاحتياجات النفسية والتواصل مع اللاجئين بشتى الطرق وبناء صداقات معهم لإمدادهم بالعزيمة ورفع معاناتهم والوقوف معهم حتى زوال محنتهم.
وفق مصادر أردنية يشهد مخيم الزعتري يومياً العديد من الولادات المتزايدة، بالإضافة إلى حالات الزواج، ما ينبئ بمضاعفة أعداد سكان المخيمات في الوقت الذي باتت تشكل فيه حياةً جديدة تُبعَثُ لأجيال لم يعرفوا الوطن لتخطو مشوارها بذاكرة تشكلها أرض اللجوء، مما يدفعنا جميعاً إلى إدراك ضرورة تنمية الحس الوطني للأجيال القادمة حتى لا يكونوا غرباء عن وطن في انتظارهم لبنائه وبناء مستقبل أفضل.
وعلينا التكاتف جميعاً لتحقيق قيم الخير والمحبة ومساندة للاجئين ونتطلع إلى المزيد من المشروعات التي تحافظ على كرامة اللاجئ وتمده بالبرامج التدريبية والتوعوية وتعزيز مهاراته التعليمية والمعرفية لنصنع معه فرقاً نحو الأفضل لحياته المقبلة ويكون مؤهلاً لخدمة وطنه فور انفراج أزمته.
ثمة ذكر هنا لبعض المشاهدات المتعلقة بانتفاض الأشقاء في الأردن وجهودهم لاحتواء أزمة اللجوء التي نتج عنها مليون ونصف مليون لاجئ داخل المخيمات وخارجها على أرض الأردن، ومد يد العون لهم رغم ما يعانيه وطنهم من أزمات اقتصادية.. أحد المسؤولين الأردنيين همس لي بتعاونهم مع ظروف اللاجئين والسماح لهم بإجازات خارج أسوار المخيم مقابل إجراءات معينة لا تثقل على اللاجئ للتخفيف عنهم ودعمهم في التواصل مع المجتمعات الخارجية وممارسة أعمال يعتاشون منها.
ودعنا المخيم بعد تجربة ثرية عشتها مع أطفالي الذين اصطحبتهم في رحلتي إلى مخيمات اللجوء لمشاركة عبد الله وغيره من أطفال المخيمات وقتاً من حياتهم اليومية، واستلهام ما في التجربة من المعاني العميقة.. والخروج بصداقات تجمع أبنائي بأطفال المخيمات، لما لهم من حق علينا في الدمج مع أبنائنا واستمرارية التواصل وبث السعادة في نفوسهم وهم السابقون في العطاء.
* رئيس مجلس الشارقة للإعلام

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply