لفظ الجلالة على النقود

د. عارف الشيخ

لم تكن لعرب الجاهلية نقود خاصة بهم؛ بل كما يقول البلاذري كانت دنانير هرقل الروم ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم فارس البغلية، وكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر غير مضروبة، ومن أوزانهم المثقال، وكان يساوي واحداً وعشرين قيراطاً وثلاثة أسباغ، وكانت العشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل.
وكانت قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهماً، وتزن الذهب بوزن تسميه ديناراً، فكل عشرة من أوزان الدراهم سبعة من أوزان الدنانير، وكانت عندهم الأوقية، التي تساوي أربعين درهماً، والنواة خمسة دراهم (انظر فتوح البلدان للبلاذري ص 452).
ويؤكد العلامة ابن خلدون القول بأن العرب كانوا يتعاملون بالذهب والفضة وزناً وكانت دنانير الفرس ودراهمهم بين أيديهم يردونها في معاملتهم إلى الوزن (انظر مقدمة ابن خلدون ص 277).
ولمَّا بُعث الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان الناس يتعاملون بنقود الروم والفرس، وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية مثل وزنها في الإسلام.
ولمَّا تُوفي الرسول- صلى الله عليه وسلم- استمر الناس يستخدمون النقود الرومية والفارسية حتى عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-؛ حيث إنه أضاف نقوشاً إسلامية على العملات المتداولة آنذاك.
ويُروى بأنه ضرب الفلوس على طراز عملة هرقل، وسجل عليها اسمه، كما أنه أضاف كلمة «الحمد لله» على بعض الدراهم، وبعضها كانت تحمل عبارة «محمد رسول الله» أو «باسم الله» أو «باسم الله ربي» (انظر كتاب تعريب النقود والدواوين لحسن الحلاق ص 22).
وورد في بعض الكتب أن عمر- رضي الله عنه- فكر في أن يغير النقود من الذهب والفضة إلى أشياء أخرى؛ حيث قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل، فقيل له: إذن لا بعير فأمسك حينئذ، (انظر النظم المالية في الإسلام لمعبد علي الجارحي ضمن وقائع ندوة النظم الإسلامية – مكتبة التربية لدول الخليج ج 2- ص 26).
ويذكر حسن الحلاق في كتابه السابق الذكر، أن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- نقش على النقود عبارة «الله أكبر»، وفي عهد عبد الملك بن مروان تطورت الأمور، وضربت الدنانير والدراهم الإسلامية، وكتب على العملة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، أو كتبت عليها سورة الإخلاص.
ومنذ ذلك العهد صار للمسلمين عملة إسلامية خاصة بهم، وقد بنى الفقهاء على هذا أن ضرب النقود وإصدارها يجب أن يبقى من سلطة الحاكم.
وقد أصدر الحجاج بن يوسف أمراً بمنع الناس من ضرب الدراهم وإصدارها وقال: يجب أن يقتصر ذلك على الدولة؛ لأنها أعلم بمصالح العباد وأقدر على تحديد كمية النقود اللازمة لتسيير النشاط الاقتصادي في المجتمع، ومن أجل ذلك فإن الفقهاء صار لهم رأيان في هذه المسألة:
ذهب أبو حنيفة إلى أن من ضرب على سكة المسلمين وكان ضربه على الوفاء من غير إيقاع ضرر بالإسلام وأهله فجائز، (انظر نصاب الاحتساب لعمر بن محمد السلمي ص 231).
ويروى عن أحمد بن حنبل أنه قال: «لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم» (انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 181).
ويقول الإمام النووي: «إن ضرب النقود من أعمال الإمام (الحاكم)» (انظر روضة الطالبين ج 1ص 258).
أقول: والصحيح أن يكون ضرب النقود من اختصاص الدولة والحاكم كما قال أكثرية الفقهاء، وهو ما عليه العمل اليوم في كل الدول.
ولا يصح أن يكتب القرآن على العملات اليوم لأنها ليست أوزاناً؛ بل عملات ورقية وليست متداولة بين المسلمين فقط، فتُمتهن الآية والذكر.

مقالات اخرى

Leave a Reply