مسؤول بلا أذنين

مسؤول بلا أذنين

محمد سعيد القبيسي

مسؤول بلا أذنين تعبير غريب، ولكنه حقيقة يواجهها الكثير من الموظفين في العديد من المؤسسات العامة والخاصة على حد سواء. قد يظن الكثير من المسؤولين، من الذين يحملون شهادات علمية عليا وخبرات سنوات طويلة على أكتافهم، أنهم أصبحوا خبراء ومتحدثين، لا يصل إلى مستوياتهم أحد، سواء في الجهات التي يعملون بها، أو تحت إداراتهم بشكل مباشر، لدرجة لا يسمحون، أو بمعنى آخر لا يعطون الفرصة لأحد للتحدث أو إبداء رأيه، أو يأخذون زمام الحديث بعد كلمة أو كلمتين، مقاطعين من كان يتحدث ليكملوا عنه، معتقدين أنهم يعرفون ماذا سيقول، أو يجرونه في عالمهم الضائع بعناوين ورؤوس أقلام قرؤوها في كتب ومقالات لم يكملوها، لاعتقادهم أيضاً أنهم يعلمون ما ستتحدث عنه هذه المقالات والكتب، ليخرج بعدها هذا الموظف وعلامات الاستفهام تحوم حول رأسه، وفي حالة من الضياع والتشتت، لا هو تكلم بما يريد وأوصل رسالته، ولا هذا المسؤول عبّر عما يريده.
قبل سنوات حضرت دورة تدريبية في مدرسة لندن للأعمال بالمملكة المتحدة، وكانت عن كيفية أن يكون القائد أو المدير مستمعاًً جيداً، وبكل ثقة كنت أظن نفسي وباقي من معي قبل هذه الدورة مستمعين جيدين بل أكثر من ذلك، ولمعرفة ذلك كان هناك تمرين عبارة عن استبيان نقوم بتوزيعه على موظفي الإدارات التي نتولى إدارتها لمعرفة مدى استماعنا لهم أو بيان مستوى ذلك، وبكل ثقة قمت بتوزيع الاستبيان على موظفي إدارتي لأتفاجأ بنتيجة صادمة لي، وهي أنني كنت مستمعاً غير جيد، أو بالأحرى أكاد أسمع أصواتهم، لكثرة تحدثي في اجتماعاتي ولقاءاتي معهم، والذي خفف علي الأمر هو أن أغلب من كانوا معي من الزملاء كانت لديهم المشكلة نفسها، من هنا بدأنا معالجة الأمر، بالتدريب المستمر لنكون أكثر إصغاءً.
بالفعل استفدنا من هذا التدريب، وتعلمنا متى علينا أن ننصت، أو نكون مستمعين جيدين، وأن نعطي الانتباه الدائم للموظف أوو الشخص المتحدث، لأنه في النهاية الاستماع والإنصات الجيدان يكونان نصف علاج المشكلة، بل وانعكس الأمر حتى على حياتنا الشخصية، فأصبحنا نستمع إلى أولادنا وأصدقائنا.
الاستماع الجيد يؤدي إلى الفهم الصحيح، والإنصات دليل فهم وإدراك ووعي. والتسرع في الحديث من دون الالتفات إلى آراءء الآخرين كثيراً ما يسقط صاحبه في أخطاء كثيرة يتمنى بعدها لو أنه أنصت قليلاً ليتخذ موقفاً مغايراً. ومهما بلغ ذكاء المسؤول وحنكته وبلاغته وخبرته، فلابد أن يستمع إلى الآراء الأخرى.
ولنا قدوة ونموذج عظيم في حسن الاستماع وهو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائدد الأعلى للقوات المسلحة، خلال لقاءات عديدة كان لي شرف حضورها، ومن خلال متابعتي لسموه عند استماعه لأي شخص، فهو يوليه كامل اهتمامه وينتظره حتى ينتهي من حديثه، بل أحياناً عندما لا يستطيع المتحدث التعبير عما يريد يساعده في ذلك بكل احترام وتقدير. الصبر وطول البال وحسن الاستماع لابد أن نتعلمها من سموه، حفظه الله، وأن نطبقها في حياتنا العملية والخاصة، فهو القدوة لنا في كل شيء.

نقلا عن الخليج

مقالات اخرى

Leave a Reply