مقدمة في الصراع الفلسطيني – «الإسرائيلي»

مقدمة في الصراع الفلسطيني – «الإسرائيلي»

تأليف: جريجوري هارمز وتود إم. فيري
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

يعد الصراع الفلسطيني – «الإسرائيلي» الأكثر شهرة في الذاكرة الإنسانية الحية، إلا أن الطريقة التي يتم إيراده بها في وسائل الإعلام الغربية مربكة وغالباً مضللة. يسعى الكاتبان، جريجوري هارمز وتود إم.فيري في هذا العمل إلى تقديم وجهة نظر مبنية على حقائق لهذا الصراع، بطريقة بسيطة، وتوضيحات متوازنة. يغطيان التاريخ الكامل للمنطقة، ويقدمان تجسيداً شاملاً للصراع في سياقه التاريخي. والكتاب في عمومه يقدم ما لا تقدمه وسائل الإعلام الغربية للمشاهدين، إذ يسعى لتبديد الخرافات التي حاول الاحتلال «الإسرائيلي» ترسيخها في أذهان العالم، كما أنه تحليل وتوثيق للمآسي التي عاشها الشعب الفلسطيني طوال العقود الماضية.
يضم الكتاب مواد تاريخية ليس لها علاقة بالصراع القائم بشكل مباشر، لكن الكاتبان يقدمان فيه معلومات أساسية عن التاريخ العميق للمنطقة، وهو مهم في فهم وتبديد الخرافات حول الصراع القائم. ويقولان حول ذلك: «بشكل طبيعي، أفضل طريقة لتبديد أي خرافة هي تقديم الحقائق التي تقوضها، بالتالي التاريخ القديم مغطى في هذا الكتاب لتوضيح أن (أولئك الناس) لم يكونوا يقاتلون (لآلاف السنين)».
تعد هذه الطبعة الرابعة من الكتاب مع تحديثات تبدأ من مقدمة وخاتمة جديدتين، فضلاً عن مواد تغطي الأحداث الأخيرة مثل: عملية «الجرف الصامد»، اتفاق الوحدة الفلسطينية بين «فتح» و«حماس»، والمقاومة الفلسطينية المستمرة، والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. كما أن سنوات 2011 إلى 2016 تم دمجها في الفصل العاشر الذي يتضمن إجمالي سنوات أوباما في سدة الرئاسة الأمريكية. ومن بين المواد المضافة مناقشة منقحة لما يسمى «الربيع العربي»، مع تعديلات طفيفة من الفصل الأول إلى التاسع، لكنها في الجوهر بقيت كما هي في الطبعات السابقة.

بدايات

عندما بدأ جريجوري هارمز بالاستعداد للعمل على النسخة الأولى من هذا الكتاب في أواخر 2001، كان استجابة لقضيتين: أولاهما أنه كان على مدى سنوات يشعر بالإرباك بخصوص النقص التام لمواد تقديمية بشأن الصراع «الإسرائيلي» – الفلسطيني. ويعلق على ذلك: «كان هناك، بالطبع، وفرة في الكتب حول الموضوع، لكنها إما كانت كبيرة، ومتخصصة أو كلتيهما، بالتالي كان يصعب على الناس استقاء المعلومات منها بشكل واضح. ثانياً، وعلى نحو أكثر تحديداً، قرّبت أحداث 11 سبتمبر/أيلول مسائل وقضايا الشرق الأوسط أكثر إلى الأمريكيين. ليس هذا بالضرورة جعل الأمر أكثر أهمية، بل التجربة كانت محفزاً لي في اتخاذ قراري».
ويضيف: «هناك العديد من الأسئلة التي أصادفها في محاضراتي تعطي قاعدة لما يمكن أن يتساءل القارئ بشأنه: ما هي الضفة الغربية؟ هل (أو كانت) فلسطين دولة؟ هل الدين عامل في الصراع؟ ما هي «الحركة الصهيونية»؟ هل كان العرب أم اليهود في فلسطين أولاً؟ حاولت أن أوضح هذه النقاط في الوقت الذي أتوقع فيه المزيد من الفضول والإرباك المحتمل».
يقول هارمز إن «الصراع الفلسطيني – «الإسرائيلي» مشهد ثابت في وسائل الإعلام في أنحاء العالم. وعلى الرغم من أنه يحدث على رقعة صغيرة جداً من الأرض، إلا أن التوترات بين «إسرائيل» وفلسطين ترسل موجات من الصدمة إلى كافة الكرة الأرضية. كان الصراع دائراً على مدار القرن الماضي، ولا يزال مستمراً حتى الوقت الراهن. تم توثيقه، وتسجيله، وتدوينه في شكل أكاديمي دقيق ومفصل».
ويضيف أن التشويش في التاريخ يستمر، رغم معرفتنا به وبالأجزاء المتحركة فيه، كما يستمر التناقض والجدل، خاصة في الولايات المتحدة، حيث توجد حالة من الإرباك والميل إلى التعامل مع المغالطات والقصص الميثولوجية والخيالية عندما يتعلق الأمر ب«إسرائيل». وفي استجابة إلى الأخبار والمحادثات حول الصراع، ربما تسمع أناساً يقدمون ملاحظات مثل: «هؤلاء الناس كانوا يقاتلون لآلاف السنين أو «إنهم يتقاتلون لأن جد أحد الرجال قتل جد الآخر». أو شيء مثل: «إن الأمر له علاقة بالدين، ويعود في جذوره إلى الكتاب المقدس». بالنظر إلى الحالة التي يتم فيها التعبئة عبر الإعلام – كفرز دائم للموت والعنف من دون سياق تاريخي – نجد أنه ليس من المفاجئ أن العديد يطلقون أحكاماً مثل هذه. لكن كما العديد من الأشياء، ما يوجد حقيقة تحت الصورة المتلقاة هو مختلف تماماً عن السطح الذي يظهر لنا».

المشكلة الديمغرافية

يشير الكاتبان إلى أن ما يسمى مجازاً «المشكلة الديمغرافية»، التفاوت بين نسب الخصوبة بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين تجذب الآن التعليق والتحليل للصراع. ويقولان في هذا السياق: «بالإضافة إلى عدم القبول الدولي لاحتلال «إسرائيل» لفلسطين، على نحو أكثر أهمية في أوروبا الغربية، يعد الأمر احتلال الأقلية للأغلبية.. بعبارات أخرى، بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، يصبح اليهود أقلية سكانية.
ويستشهدان بكتاب «حقائق العالم» الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الذي يقول: «يشكل معدل نمو سكان «إسرائيل» 1.56 في المئة، بينما الرقم هو 1.95 في الضفة الغربية و2.81 في غزة. السكان اليهود في «إسرائيل» تقريباً ستة ملايين (من أصل ثمانية ملايين). ويبلغ عدد السكان الإجمالي في الضفة الغربية حوالي 2.78 مليون نسمة، وفي غزة يبلغون 1.86 مليون، وهؤلاء مع عرب فلسطين 48 يشكلون حوالي ستة ملايين. بالرغم من أن العدد متساوٍ في الوقت الحاضر، إلا أن نسب النمو ترسم المستقبل».
يشير الكاتبان إلى أنه على المدى القصير، تقوم «إسرائيل» بمحاولات للتخفيف من هذه الحقيقة على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، هناك قوانين زواج «إسرائيلية»لا تسمح للفلسطينيين الذين يتزوجون من حاملي الجنسية «الإسرائيلية» بالانتقال إلى «إسرائيل»، حيث إن إجراءات التحكم إلى حد واضح تبقي السكان العرب في فلسطين 48 في أقل مستوى عددي ممكن. كما أن «إسرائيل» تسعى إلى الترتيب سلفاً لدولة فلسطينية قادمة. ومنذ انسحاب «إسرائيل» من غزة وبناء حدود الأمر الواقع على شكل جدار الفصل في الضفة الغربية، يرى بعضهم أن هذه الجهود بمثابة محاولة لاستباق المفاوضات المستقبلية.
ويضيفان: «من خلال التصرف من جانب واحد في قلب المناطق الدبلوماسية للحدود والمستوطنات، تخلق «إسرائيل» ظاهرياً «دولة فلسطينية» من تصميمها. المصطلح الذي يمكن أن يطلق على هذه الخطة هو «إعادة تعديل الموقع»، في الإشارة إلى الخطة التي كان يقوم بها رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت». ويعلقان: «هذا المفهوم ليس جديداً، على كل الأحوال، فهو يبدو مشابهاً لمقترح قدمه إيغال آلون، وزير العمل «الإسرائيلي» في1967. تكمن الفكرة في تقليل مساحة الأرض التي توجد عليها أي دولة فلسطينية مستقبلية في الضفة الغربية، على مبدأ إيجاد «حقائق على الأرض»، والتي من شأنها أن تؤثر على نتائج أي مفاوضات».
«وهذه الحقائق تتضمن: 1) طريق جدار الضفة الغربية. 2) تطوير الاستيطان شرق أو (داخل) القدس الشرقية، خاصة مستوطنة «معاليه أدوميم» الكبيرة والمتوسعة مع عدد سكان يبلغ 37 ألف نسمة. 3) المنطقة الواقعة في شمال غرب وجنوب غرب مستوطنة «معاليه أدوميم» المخصصة لتطوير الاستيطان – يشار إليها ب منطقة (E1) – التي ستقطع المزيد في المنطقة شرق القدس. هذا يقلل مما سوف يكون على الأرجح الجانب الأكثر صعوبة لأي مفاوضات نهائية، أي، كم من الضفة الغربية (المنطقة C) سوف تذهب إلى الفلسطينيين؟ تقدم دبلوماسية ما بعد قمة كامب ديفيد الثانية – خطة كلينتون، قمة طابا، مبادرة صوت الشعب، معاهدة جنيف – تقديراً معقولاً لما يمكن أن يبدو عليه أي اتفاق نهائي. أما من ناحية التفاصيل الدبلوماسية للمستوطنات واللاجئين والقدس الشرقية، أساساً تم إنجاز اتفاقية بشأن هذه المسائل. الاحتمالات هي أن (المنطقةC ) سوف تصبح العائق». كما يقول الكاتبان.

غزة تحت النار

يتوقف المؤلفان عند قطاع غزة والوحشية «الإسرائيلية» في التنكيل بالبشر والحجر، ومما يقولانه في وصف الواقع المزري لغزة وتقريب الصورة للقارئ الغربي: «لم تكن الحياة بالنسبة لمن يقطن القطاع الساحلي فردوساً على الإطلاق. ففي السنوات التي تسبق فك الارتباط في 2005، كانت التقارير تصف الوضع الاقتصادي بالبائس في غزة، والتأثير الحاضر للاحتلال والعزلة وجمود السكان. وكانت مستويات سوء التغذية تقارن ببعض الدول في إفريقيا، إلى جانب بلوغ نسبة البطالة إلى أكثر من 50%، وتقريباً الجميع، إلى حد ما، يعتمد على الدعم من وكالات المساعدة الدولية. كل هذا في أرض بحجم لاس فيغاس مع كثافة سكانية من النمط الموجود في هونج كونج».
ويضيفان: «منذ 2007، كان قطاع غزة منفصلاً عن العالم الخارجي، حيث خلق هذا الوضع قائمة من التأثيرات التي أصبحت أسوأ مع عملية الرصاص المصبوب (2008). على سبيل المثال معمل الطاقة الكهربائية في غزة يعمل بنصف قدرته، بسبب الضرر الذي ألحق به جراء الهجمات «الإسرائيلية» ونقص الوقود نتيجة للحصار. على الرغم من شراء الكهرباء من مصر و«إسرائيل»، إلا أن غزة تفتقر إلى احتياجاتها في الطاقة، بحوالي أكثر من 50 في المئة. خلق نقص الطاقة الكهربائية في غزة إلى جانب تدهور البنية التحتية أزمة في الصرف الصحي فيها»، مما أدى إلى التخوف من انتشار الكثير من الأمراض.

بنية الكتاب

يقع الكتاب في 304 صفحات، وهو صادر عن دار «بلوتوبرس» البريطانية في 2017. ويحتوي على قائمة الخرائط، شكر وتقدير، مقدمة للطبعة الثالثة، والمقدمة العامة. ثم يأتي في ثلاثة أجزاء هي: الجزء الأول: «التاريخ الإقليمي» يتكون من 1- كنعان-فلسطين: التاريخ القديم 2- محمد، الإسلام، والإمبراطورية العربية. 3- الحروب الصليبية إلى الإمبراطورية العثمانية، وتنظر هذه الفصول الثلاثة في التاريخ القديم لكنعان وفلسطين إلى الحرب العالمية الثانية متوقفاً عند ظهور العبريين والعرب والرسول الكريم وولادة الإسلام، والحملات الصليبية والمغول، والإمبراطورية العثمانية.
أما الجزء الثاني بعنوان «مرحلة ما قبل الصراع» فيتكون من ثلاثة أجزاء هي: 4- الاضطهاد اليهودي والصهيونية. 5- فلسطين. 6- أصل الصراع: الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية. يعالجان في الفصل الرابع والخامس الصهيونية وفلسطين ويتوقفان عند مسألتين: الأولى هي النظر إلى الاضطرابات والاضطهاد بحق يهود أوروبا والولادة الناشئة للصهيونية. الثانية وصف لفلسطين بين سنوات 1882 إلى 1914، وهذا من شأنه أن يقدم إحساساً لكيفية الشكل الذي كانت تبدو عليه الأشياء في فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية: المناخ السياسي، الشعب، وطريقة حياتهم. ويتعقب الفصل السادس المستجدات مع نشوب الحرب العالمية الأولى والثانية التي ولّدت ما يصلان إليه أخيراً في العمل وهو «الصراع».
ويضم الجزء الثالث تحت عنوان «الصراع» أربعة فصول هي: 7- التقسيم، الدولة «الإسرائيلية»، وحرب الأيام الستة: 1947-1967. 8- استمرار الصراع العربي «الإسرائيلي»: 1967 – لبنان 1982. 9- الانتفاضة الأولى وعملية السلام. 10- في القرن الحادي والعشرين. ينتهي الكتاب بخاتمة يتبعها ثلاثة ملاحق هي: 1- التسلسل الزمني. 2- رؤساء وزراء «إسرائيل». 3- البيانات العامة – «إسرائيل»، فلسطين.

المؤلفان:

جريجوري هارمز عالم مستقل يقيم في شيكاغو، وهو مؤلف مفاهيم الطاقة المنظمة في الشرق الأوسط (2010). تود إم. فيري يعمل كمشرف في مواقع عسقلان و«تل بيت شيمش» في «إسرائيل».

مقالات اخرى

Leave a Reply