وضعية العبد الصغير

يوسف أبو لوز

هل حقاً أن مَنْ يهاجر من الكتّاب العرب إلى لغة أخرى، فيكتب بها ويعيشها ويستوطنها.. ينسى لغته الأم ويهجرها تماماً؟.. هل يقطع الكاتب الفرانكفوني – من أصول عربية – مع لغته الأصلية أبجدياً، وتاريخياً، ووجدانياً، ونفسياً.. أم أن هذه اللغة تظل تسري في عروقه وتشدّه إلى ذاته الأولى.. إلى مرجعيته الاجتماعية والثقافية والتربوية..؟
تخطر لك مثل هذه التساؤلات، وأنت تقرأ كتاب «حدائق موليير» 2018 «عن دار المؤلف» للكاتب العراقي شاكر نوري، وهو يتألف من حوارات مع 30 روائياً وشاعراً فرانكفونياً، أجراها نوري معهم على مدى 27 عاماً، كان أمضاها مقيماً في باريس، ويذكر هنا أن الكتاب نفسه كان قد صدر بعنوان آخر هو «منفى اللغة» في العام 2011 عن مجلة «دبي الثقافية»، وإذا كان من وقفة سريعة مع العنوانين، فالعنوان الثاني «منفى اللغة» أكثر دقة وأكثر دلالة ثقافية، فالفرنسية، فعلاً، لبعض الكتّاب العرب هي منفى، وتحضر هنا عبارة الكاتب الجزائري مالك حدّاد 1927-1978، الذي شهد الاستعمار الفرنسي واستعمار لغته أيضاً، فاضطر للكتابة بالفرنسية، ولكنه وصفها بِ «المنفى»، بينما العربية التي لا يستطيع الكتابة بها، هي وطنه الحقيقي.
ولكن.. ماذا يقول الكاتب الفرانكفوني عن اللغة العربية؟ وهذا الروائي الجزائري بوعلام صنصال، وهو من أصول بربرية، ويقول في حواره مع شاكر نوري، إنه يرغب في الكتابة بالعربية، ولكنه ليس قادراً على ذلك، ويحصل منه المُحاور على عنوان ساطع.. يقول صنصال: اللغة العربية ليست أقل من اللغات الأخرى، بل على العكس أغنى منها، ويشير إلى أن التعريب في الجزائر بدأ بعد العام 1980، في حين كانت دراسته قبل ذلك كلها بالفرنسية التي اضطر للكتابة بها.
الكاتب المغربي الطاهر بن جلّون يقول.. «.. اللغة العربية مقدّسة ولا أريد أن أكتب نصوصاً غير جديرة بجمالية هذه اللغة وعظمتها..»، وعلينا أن نتذكر هنا أن قائل هذا الكلام ينحدر من أصول أمازيغية، أما الكاتب الجزائري الآخر رشيد بوجدرة فيقول.. «.. لو لم تكن العربية عظيمة لما أنجبت شعراءنا الكبار..»، وعن سياسة التعريب في الجزائر يقول.. «.. لم يكن التعريب سيئاً في يوم من الأيام، ولماذا يكون سيئاً يا تُرى خاصة أن الجزائر عربية مئة بالمئة، والأغلبية الساحقة عربية، وفخورة بعروبتها..».
هؤلاء كتّاب فرانكفونيون ينحدرون من أصول عربية مغاربية، أو ذات أصولهم الإثنية في اللغة العربية، ويتحدثون عن العربية التي لا يكتبون بها بوصفها وطناً وذاكرة ووجداناً ثقافياً دائم الحيوية.
ولكن ماذا عن بعض الكتّاب الذين هاجروا إلى الفرنسية أو إلى أية لغة أخرى في العالم، بكل متاعهم بما في ذلك الذاكرة ومحمولها الوجداني تجاه اللغة؟؟
.. عن هؤلاء أو عن هذه النماذج يقول الشاعر فؤاد العتر – الفرنسي من أصل لبناني – «.. إن من الفرانكفونيين من يكتب بوضعية «العبد الصغير».. ولا تعليق على هذه الجملة اللاذعة.

yabolouz@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply