اليوم العالمي للغة الضاد

اليوم العالمي للغة الضاد

د. عبدالحميد عبد الحي

من المعروف عند علماء اللغات أن للغات أعمار محددة وأنها تتطور لدرجة سرعان ما تتبدل مع تقادم الأعوام، ودليل ذلك اللغات السامية القديمة كالفرعونية، والآرامية، والساسانية، والسنسكريتية، وغيرها.

وكذلك الحال في العصور المتأخرة، فإن اللغات العالمية اليوم قد تبدلت كثيراً فمن يقرأ شكسبير كما كتبها تحتاج إلى إعادة كتابة في اللغة الانجليزية الحديثة، وقد لا يفهمها الجيل الحالي إلا بترجمة من الانجليزية السابقة إلى الانجليزية الدارجة، وكذلك الفرنسية في العصور الوسطى إلى اليوم تكاد لا تُفهم على أطفال فرنسا في عصرنا… وهكذا.

ولكننا أمام لغة الضاد التي تكفّل الله تعالى بحفظها بالقرآن الكريم، فهي زاهرة إلى يومنا وكثيراً منا من حفظ المعلّقات من العصر الجاهلي، ولا تزال تدرّس في مدارسنا، وقد نجد بعض المقاطع منها من قد حفظها أطفالنا في المدارس الابتدائية، ولا تزال قصائد المتنبّي مثلاً وهي من القرن الرابع الهجري شائعة على ألسن الطلبة والدارسين، وكذلك معظم الشعراء أبوفراس، والبحتري، وحسان بن ثابت الأنصاري، والفرزدق، والأخطل، وتتداول بين الطلبة والناس عموماً، وهي واضحة المعنى، وقد تعترضها بعض الألفاظ لكنها سرعان ما تظهر معانيها من سياق المعنى أو التحليل البسيط.

ذلك أن اللغة العربية من لغات الاشتقاق، وتعتمد معانيها على الوزن، فمن فعل واحد تنطلق ربما عشرات الكلمات، من درس مثلاً نصل إلى يدرس، ادرس، درست، درسوا.. وهكذا.

تصريف الأفعال كلها تدل على زمن، وفعل ما، ومنها الأسماء مدرسة اسم مكان، دارس اسم فاعل، ومدروس اسم مفعول، ودراسة صفة مشبهة، وتدريس ومدارس جمع تكسير، وهكذا قواعد الصرف إلى جانب قواعد النحو العربي الذي يعتمد على المنطق في تحليل المعنى والقصد.

واللغة العربية فن جميل، في جرسها الموسيقي، وفي خطها التشكيلي وأوزانها الشعرية، وإبداعاتها التصورية، وفي قداسة جمعها للقرآن الكريم، وفي أدبيات حوارها وقصصها ورواياتها، وكما قال عنها حافظ إبراهيم: وسعت كلام الله، وحظيت بعبادة المسلمين بتلاوة آيات القرآن بلسان عربي مبين، حفظت أحداث التاريخ العربي، بل والحضارة الإنسانية عموماً بما دوّنه الوراقون في مخطوطاتهم بالرغم مما تعرض أكثرها لهجمات المغول، وسرقة الغزاة من معظم العواصم العربية التي ازدانت بمكتباتها وتراثها.

وبالرغم من ذلك فلا تزال هناك كنوز من العلم والمعرفة يكفي أن نقول أن العربية كانت جسراً لانتقال العلوم بشتى أنواعها التطبيقية بين العالم القديم وانطلاق عصر النهضة في أوروبا التي اعتمدت على ترجمة تلك العلوم من اللغة العربية، لغتنا الجميلة إحدى منارات فكرنا العربي، ومصدر اعتزازنا، ومجد حضاراتنا.

ولا بد اليوم من توجيه تحية إكبار واعتزاز إلى قيادة الإمارات وفي جميع إمارات ومدن الدولة على الاهتمام الرائع باللغة العربية، وتشجيع الأجيال على القراءة لأنها ستكون بإذن الله هي لغة المستقبل لكونها تحمل سر الخلود.

 

مقالات اخرى

Leave a Reply