قضايا ودراسات

الماورائيات اللغويّة في التطبيع

كثر اللغط في شأن التطبيع. المصطلح ذاته من تسرّع المترجمين في وكالات الأنباء، الذين ليسوا من اللغويين الثقات، فأهل المجامع اللغوية تركوا حبل العربية على غارب من هبّ ودبّ.
المصطلح لا يخلو من أصالة طريفة: التطبيع هو التدنيس، وهو مَلؤك الإناء وإفعامه، والطَّبَع هو الصدأ. في الإمارات استخدام فصيح، يقولون: طبع القارب أو طبعت السفينة، بمعنى غرقت، وفي الفصحى، الناقة المثقلة عبرت النهر فغرّزت في الطين. هل في ذلك إشارة نوستراداموسيّة إلى مصير مسيرة التطبيع؟ بينما يتوهّم المطبّعون تطبيع الشبكة أي امتلاءها سمكا.
أبعد من ذلك، ما الذي جعل أينشتين، حين عرضوا عليه جواز الغاصبين، يقول: «أنا لا يمكن أن أحمل جوازاً مؤقتاً»؟ نواستراداموس آخر. وما الذي حمل الجنرال ديجول على القول، عندما سألوه عن سبب عدم زيارته «إسرائيل»: «أنا لا أزور دولة مصيرها إلى زوال»؟ هذا أيضاً نوستراداموس. انتهى الاستشهاد (إلاّ في فلسطين وسائر مواقع المخططات).
لا أحد يحبّ الحروب، أو يطلبها لذاتها، أو يتوهمّ أن لها لذّاتها. هي شؤم وخراب، صدقوا أسموها الكريهة. لكن السؤال هو: لماذا يجب أن يكون التطبيع على حساب العرب لإذلال كل العرب؟ إذا كانت الشعوب العربية غير جديرة بالاستفتاء في أمنها القوميّ ومصيرها، فهذه مسألة أخرى. لعلّ النظام العربيّ لديه خلطة الفهم السرّيّة التي يعلم بها علم اليقين أن شعوبه لا يليق بها إلاّ هامش التاريخ والحضارة. لكنه لم يقل لماذا يصرّ المجتمع الدوليّ العاتي العتيّ على أن يكون من يدوس كرامة العرب أقوى منهم مجتمعين؟ في أيّ منطق أو حساب يجب أن يكون أربعمئة مليون عربيّ لا وزن لهم ولا رأي إلى الأبد أمام مطرقة بضعة ملايين؟ ألا تفكّر وتعقل «إسرائيل» فتدرك أن فلسفة التاريخ لا تسمح بأن يصبح التاريخ ذنب الكلب معوجّا إلى أبد الآبدين؟ هل لديها ضمانة أن من يدفئ ظهرها مخلّد؟ هو ذا نوستراداموس آخر، المفكر الاستراتيجيّ الرهيب برجنسكي يقول (أيام الإمبراطور بوش الابن): «إذا استمرّت الإدارة الأمريكيّة في ارتكاب حماقاتها، فسوف تطرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط كلّه». المؤلم هو أن النظام العربيّ لا يفكّر ولا حتى لحظة واحدة، في سيرته التي سيسجلها التاريخ للأجيال العربية المقبلة. كم سيفخرون بمورّثاتهم من آباء الحاضر.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاؤلية: الطب سيتقدم لا محالة بعلوم الوراثة وستجد أجيال الغد حلولاً ناجعة للإشكاليات السلوكية في الحمض النوويّ الموروث.
عبد اللطيف الزبيدي
abuzzabaed@gmail.comOriginal Article

زر الذهاب إلى الأعلى