مقالات سياسية

تحديات صناعة الهوية

فهد بن سليمان الشقيران

التحدي الذي يواجه أي دولة يكمن في «صناعة الهوية»، ذلك أن هذا التأسيس كفيل بتحديد أمرين اثنين أولهما: إيجاد آصرة موحدة يلتقي بها المجتمع ضمن تعدديته القبلية والطائفية والدينية. والثاني: إيمان المجتمع بضرورة التآزر مع بنية الدولة من أجل الاستقرار. بلدان يعانيان من تصدّع الهوية، هما العراق ولبنان، الأول لم يصنع هويته بسبب تردده بين نظامين خلال النص قرن المنصرم، نظام الطاغية صدام حسين الذي جعل الولاء له شخصياً وليس للعراق بتاريخه وثقافته، ومن ثم صعود الطائفية الشيعية وتغوّل التدخلات الخارجية. أما لبنان فإن الحرب الأهلية جعلت الهوية متوجهة نحو الطائفة أكثر من الدولة، فالطائفة هي قبيلة الإنسان وحاضنته وملاذه في اشتداد الأزمات، وآية ذلك أنه وبرغم ثورة أكتوبر عاد الناخبون إلى الزعامات ذاتها وانتخبوهم من جديد، لأن الشعور بالخوف يجعل الهوية طائفية وليست وطنية. لبنان والعراق مرشحان لحروب أهلية طاحنة، والسبب الأساسي أن الهوية ليست وطنية وإنما غرائزية طائفية.
«صناعة الهوية» تعمل عليه دولة الإمارات بشكلٍ حثيث، قبل أيام صرّحت معالي نورة الكعبي وزيرة الثقافة والشباب بأن: «تعزيز الهوية الوطنية من مرتكزات عمل المؤسسات التعليمية في دولة الإمارات. توجيهات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، بتكثيف الجهود لتعزيز الهوية الوطنية والثقافة الإماراتية واللغة العربية لدى الطلبة، يدل على الأولوية التي توليها القيادة في دولة الإمارات لهذه المحاور في تربية النشء، وإعدادهم ليكونوا قادة للمستقبل وعناصر فعالة في المجتمع الإماراتي. المؤسسات التعليمية في دولة الإمارات تسهم بفاعلية في تعزيز الهوية الوطنية وتحقيق الوطنية والمواطنة لدى التلاميذ، ومن خلال المناهج والبرامج التعليمية وطرق التدريس والأنشطة والفعاليات والمبادرات التي تعرّف الطلاب بكثير من ملامح الهوية الوطنية بالممارسة الفعلية، وتجعلهم أكثر تعلقاً واعتزازاً بهويتهم، وأقدر على حفظ ملامحها في مواجهة عالم متعدد الثقافات من حولهم».
من أبرز فلاسفة «الهوية» داريوش شايغان الذي خصّ عدداً من الكتب والمحاضرات حول ذلك، يكتب عن الحروب الأهلية الأوروبية التي سببها عدم صناعة هوية وطنية جامعة يكتب شايغان: «دمّرت حرب السنوات الثلاثين ألمانيا في القرن الثامن عشر مخلفةً وراءها فوضى عارمة. وتحول البلد الذي انقسم إلى إمارات عدة إلى بلد مؤلف من مقاطعات. لم يكن هنالك مركز مثل باريس من شأنه أن يفسح المجال أمام إحياء ثقافي. وتنازعَ الثقافة الألمانية حينئذ ميلان وفق وصف أشعيا برلين، ميل نحو التعالم السكولائي المتطرف من النوع اللوثري، وميلٌ آخر كان يُفضي إلى الانكفاء إلى الذات».
هيغل كتب حول الهوية في كتابه أصول فلسفة الحق، والخلاصة أن صناعة الهوية أساسية لبناء الدولة، ولتحييد النزوات والنزعات بين المجتمع بعضه البعض، حين يتحدث حسن نصر الله عن خصومه ويقول:«أنت إنسان؟!» وهم في لبنان ومن المواطنين يعني أن الهوية المتداولة ليست لبنانية، حين ترى تآزر الشعوب الخليجية مع حكامها واغتباطهم بدولتهم تعلم أن الهويّة بنيت بشكل جيد، ولكنها تحتاج إلى المزيد وبخاصةٍ لجهة تحويل القبيلة إلى انتماء عادي، وليس انتماء نهائياً، بل الانتماء الجذري يكون للوطن والدولة.

نقلا عن الاتحاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى