قضايا ودراسات

مخاطر تقسيم سوريا

بعد أكثر من ست سنوات على اندلاع الأزمة السورية، وما خلَّفته من تداعيات، داخلية وإقليمية، وحتى دولية خطرة، يبدو السؤال الأكثر أهمية، الآن: إلى أين تتجه هذه الأزمة، وما هي المآلات لهذا الصراع الدموي المفتوح على كل الاحتمالات؟
فكما هو معروف، ظهرت الأزمة السورية منذ بدايتها وكأنها امتداد لما سمي ب «الربيع العربي» الذي أطاح عدداً من الأنظمة العربية، الأقرب إلى الطابع الشمولي، إلّا أن الأزمة السورية تبدو في الواقع من أخطر هذه الأزمات كلها، لأسباب كثيرة، لا داعي للخوض في تفاصيلها.
لكن ما يُلاحظ بوضوح أن الأزمة السورية تبدو وكأنها ماضية نحو سيناريوهات خطرة جداً، ومن شأنها أن تؤثر في مستقبل المنطقة بأسرها.
ومن أكثر السيناريوهات وضوحاً، كما هو ملاحظ الآن، هو اتجاه هذا البلد نحو مخاطر التقسيم، حيث تبدو مخططاته واقعية بالنسبة إلى جهات وأطراف عديدة داخل البنى السياسية الحاكمة في الغرب، الذي يحتوي على اجتهادات متفاوتة بهذا الشأن، تراوح بين الدعوة للتقسيم والدعوة للتفكيك، طبقاً لمصالح هذا الطرف أو ذاك.
والمقصود بالتفكيك هنا هو إضعاف الحكومة بإعطاء صلاحيات متزايدة للمناطق الداعية إلى الانفصال، وتشجيع هذه الدعاوى، مع العمل على ترسيخ الاضطرابات، كما حصل في دول أخرى، مثل العراق والسودان والصومال.
ولعل أخطر ما يُطرح في هذا المجال التقسيم الطائفي الذي قد يرى فيه بعض الأطراف المتصارعة خطة بديلة، بعد أن أحس بحتمية خسارته لحكم سوريا مجتمعة.
ويتهم البعض النظام الحاكم بالميل إلى هذا السيناريو، زاعمين أن تنازله للأكراد والسماح لهم بالانفصال، وحكم أراضيهم بأنفسهم، يأتي ضمن خطة مدعومة غربياً وأمريكياً عبر تقسيم سوريا إلى دولة الأكراد في الشمال، ودولة للعلويين في الساحل، ودولة للدروز في السويداء، ودولة للسنة في باقي المحافظات السورية.
وبغض النظر عن مصدر هذه الأفكار والجهات التي تقف خلفها، فإن ما يهمنا في هذه العجالة، هو التذكير بخطورة مخططات التقسيم هذه، على مستقبل سوريا والمنطقة.
فالتقسيم في سوريا سواء كان على أساس طائفي أو عرقي أو سياسي، من خلال تقسيم سوريا إلى أربعة أقسام:
أ. قسم تابع للنظام: يمتد من درعا جنوباً إلى دمشق العاصمة إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.
‏ب. قسم تابع للمعارضة، وتسيطر عليه فصائل الجيش الحر وجبهة النصرة، ويشمل ريف حلب وإدلب وأجزاء من حلب، وصولاً إلى الحدود التركية.
‏ج. قسم تابع لتنظيم «داعش» في الرقة وأجزاء من ريف حلب، وصولاً للحدود العراقية.
‏د. قسم تابع للأكراد في شمال شرق سوريا.
هذا التقسيم من شأنه في الواقع أن يهدد باستمرار الصراع والشحن الطائفي في هذا البلد لعقود طويلة، بل ويهدد بانتقاله إلى دول أخرى، ولهذا فهناك في الغرب و«إسرائيل» من يعتقد بفائدة مثل هذا التقسيم، رغم اقتناعه بصعوبة تنفيذه على الأرض بسهولة، مثل الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، الذي يقول في مقال بصحيفة «الإندبندنت» البريطانية، إن القوى الغربية تستعين في تشخيصها لمناطق الصراع في سوريا ب «معلوماتها الفقيرة». وحث في ختام مقاله القوى الغربية على ضرورة التخلي عن فكرة تقسيم البلاد، وفقاً للأقليات الدينية، نظراً لتعقد التوجهات والمذاهب في سوريا.
لكن المؤسف، في الأمر، أنه رغم التكلفة الباهظة لمثل هذه المخططات التقسيمية لسوريا، إلّا أن الكثير من القوى الغربية ومعها الكيان الصهيوني تسعى، باستماتة، للوصول إلى أحد سيناريوهات التقسيم هذه، وتقطيع أوصال سوريا وتمزيقها، خدمة للمصالح «الإسرائيلية» والاستعمارية، لا سيما أن القوى الاستعمارية الغربية دأبت منذ القديم على محاولات تقسيم المنطقة، لتسهل السيطرة عليها، قبل إقامة الكيان الصهيوني، ولتعزيز هذا الكيان بعد ولادته غير الشرعية، بدعم وتشجيع غربي واضح.
ولذلك فإن ما يجري الآن في سوريا لا يبدو في الواقع بعيداً عن مثل هذه المخططات التي اعتمدها الاستعمار في المنطقة.
ولذلك يصح القول، إن إسقاط مخططات التقسيم في سوريا، يجب أن يكون الهدف الأول والأخير لكل عربي شريف، يدرك ويعي مخاطر المخططات الاستعمارية في المنطقة.

نبيل سالم
nabil_salem.1954@yahoo.com

Original Article

زر الذهاب إلى الأعلى