مقالات اجتماعية

يريدونه مجتمعاً عابساً!

محمد الرميحي

التزمّت مرض يصيب بعض المجتمعات، ومن أعراضه أن الدولة أو الحزب أو السلطة، تريد أن تصبّ الناس في نموذج واحد، خلافاً للطبيعة الإنسانية وخلافاً لمن خلقهم الله. كل الدول والمجتمعات التي حاولت ذلك، وإن نجحت لفترة من الزمن، صاحبها الفشل الذريع، فالناس مختلفون لأسباب كثيرة قد لا يستطيع أحد حصرها. في جزء غير يسير من ثقافتنا العربية، تجرى محاولات لـ”الصرامة” أو فرض نظام صارم على الناس وجب عليهم أن يتبعوه، وتلك المحاولات تظهر في السياسة وفي الاجتماع وفي الاقتصاد، بل وحتى في شكل الملابس.

ما إن أعلن أن هناك انتخابات في الكويت أخيراً، حتى ظهر البعض ينادي بالويل والثبور، لأن هناك حفلة غنائية أقيمت وارتكبت فيها “الفواحش”! وأنه إذا وصل إلى الكرسي الأخضر فسيقدم المسؤولين إلى المحاكمة السياسية؟ هذا التصريح (التويتري) صدر قبل إعلان موعد الانتخابات، وحتى قبل فتح باب الترشيح، هو فقط مقدمة لبيع فكر المعلن من أجل اصطياد الأصوات، وهو قصور في الفهم، كما أنه وصاية على المجتمع، ومظهر من مظاهر ما قبل الدولة! ذلك مثال من أمثلة أخرى، ففي مثال آخر قال أحدهم: “عليكم ألا تستقبلوا تارك الصلاة، لأنه آثم أكثر كثيراً من مرتكب الزنى”. من جديد تهويل غير منطقي، لو تأنّى صاحبنا وفكّر بعقله، لكان عليه أن يجيب أولاً كيف نعرف تارك الصلاة؟ إن كان الدليل حضوره إلى المسجد، فربما كان يصلي في بيته، وذلك متاح ديناً. إلا أن الاثنين وغيرهما من أهل التزمت يفتقدون التفكير المنطقي والعقلاني، ويخلطون خلطاً معيباً بين التقاليد والدين، وسلوك الناس الذي يجب أن يضبطه القانون في المجتمع الحديث.

ذلك النقاش يذهب إلى الحجاب والنقاب، فيمكن فهم ارتدائهما على أنه من التقاليد أو العادات الاجتماعية أو حتى من منظور الحريات الشخصية، لكنه عقلاً لا يمكن أن يقبل على أنه جزء لا يتجزأ من الدين، ولو كان ذلك، لكان القول المنطقي المكمل لذلك أن السيدة التي لا تتقيد بذلك الزي هي حكماً غير مسلمة! وطبعاً هذا ليس هو الواقع.

الزي الإنساني خاضع لعدد من العوامل، منها البيئة والتقليد الاجتماعي والمواءمة. نرى أن كل الرجال تقريباً عند سفرهم إلى الخارج يلبسون “البنطال”، وهو في المناسبة في وقت ما كان محرماً قبل مئة عام أو حولها، وقتها أيضاً قيل للعامة إن لابس “البنطال” بالضرورة خارج عن الدين. حقيقة إنسانية أصبحت معروفة وكأنها قاعدة عامة تقول “كثرة الضوابط تشل الإبداع في المجتمع”، وهكذا تلازمنا تلك الضوابط الشخصية التي تحملها أقلية على أنه يجب أن تُفرض على الجميع، وكثيرون يترددون في مناقشة ذلك الموقف الفكري (النكوصي) والخارج عن الزمن.

اعتاد البعض أن يسعوا في منصات بيع الكتب، وبخاصة في معارض الكتب. يقلب الكتاب كي يختار منه ما يرى من “ويل للمصلين” ويزعق على السلطات امنعوا هذا الكتاب، بل إن البعض يزعق لأن عنوان الكتاب لم يعجبه، قد حدث مرة أن مُنع كتاب في معرض الكويت للكتب (وهو ثالث معرض عربي) بعد بيروت والقاهرة، في بداية فترة أيام التنوير الكويتي، وبعد ذلك غيّر الناشر غلاف الكتاب بعنوان آخر وتم عرضه وبيعه.

محاولة قتل سلمان رشدي تعطينا مثالاً دموياً على ما يمكن أن يقود إليه التزمت والرأي الواحد، على الرغم من مناقشة عدد من كتّاب الإسلام تاريخياً ما قام بمناقشته وهو لا يخرج عن رأي، مقابلة الرأي بالقتل، كما في المساجد لطائفة من المسلمين في أفغانستان، وإن استمرت قيادات المجتمع الرسمية بالسكوت عن التزمت فسوف ينطبق عليها القول “إن لم تقد التغيير فإن التغيير سيقودك”!

حالة “حراس النيات” أو “الوصاة على المجتمع” و”محاربي الفرح” حالة عامة أصبحت معطلة للمجتمعات.

المشكلة الأكبر أن عدداً من السلطات العربية ترتعب أمام تلك الأصوات وتسير مع أطروحاتها، إما خوفاً من التشهير أو على الكرسي، أو اعتقاداً خاطئاً بأنها أغلبية في المجتمع، لأن الأغلبية صامته! في الوقت الذي تتقدم فيه التقنية ويستطيع أي فرد في المجتمع أن يحضر الحفلة التي يريدها أو يقرأ الكتاب الذي يعجبه بسهولة ويسر من خلال الشبكة الدولية.

أتراني أتحدث عن بعض المجتمعات العربية أم عن معظمها؟ أرى أن الحديث عن معظمها، وحتى في المجتمع الواحد، كان الكثير من الكتب في بيروت التي تُمنع في الغربية تُطبع في الشرقية!!

ترى إلى أي وقت سوف نساير هذا العبوس الاجتماعي الذي يتقصى الشاردة والواردة كي يقيم الدنيا ولا يقعدها في حفل هنا أو كتاب هناك، حتى أصبح كثير من مجتمعاتنا باطنياً يفعل ما تريد بعض جماعاته في السر، ويعلن الفضيلة في العلن كما يرغب بها المجتمع؟ وهل المجتمع بهذا الضيق أم أن هناك عملية واسعة من التكاذب تظهر في طول “البسملة والحوقلة” التي يتلوها السياسيون مطولاً في بدء حديثهم!

لم يوجد مجتمع في قالب واحد ولا بشر متساوون في التفكير، فلا مندوحة من استخدام كثيف وعملي لمصطلحات التسامح والقبول واحترام التعددية، وعدم فرض تقاليدك الشخصية على الآخرين في مجتمعك، عش ودع الآخرين يعيشون.

نقلا عن النهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى