قضايا ودراسات

سيادة الدول في أزمنة الرقمنة

الحسين الزاوي

يعرف العالم في المرحلة الراهنة التباساً كبيراً وغير مسبوق على مستوى القواعد والمفاهيم المؤسِّسة للكيانات الوطنية؛ حيث تخضع الكثير من المفاهيم لتحوّلات عميقة على مستوى سياقاتها الدلالية والتداولية، لاسيما ما تعلق منها بمنظومة العلاقات الدولية، وما تفرزه من مواجهات؛ تهدف إلى الدفاع عن المصالح، وبسط النفوذ، في سياق صراع القوى بين الدول على المستويين الدولي والإقليمي. ويمكن القول إن التحولات التي شهدها مسار العولمة في القرن الماضي، وبداية الألفية الجديدة، كان له دور حاسم في خلخلة العناصر، التي تشكّل إسناداً مرجعياً لمفهوم سيادة الدول، كما أسهم ازدياد حدة المواجهة بين القوى الكبرى من جهة وتحول الكثير من الدول الصغيرة إلى دول فاشلة من جهة أخرى، في إضفاء مزيد من الغموض والضبابية على التوظيف السياسي لمفهوم السيادة.
ونستطيع أن نلاحظ في السياق نفسه، أنه وبصرف النظر عن السياقات القانونية والسياسية وحتى التاريخية، التي يخضع لها تعريف مصطلح «السيادة»، الذي يعود بنا القهقرى إلى مرحلة القرون الوسطى، التي كان يسعى فيها الملوك في إنجلترا وفرنسا إلى البحث عن نوع من المشروعية القانونية؛ لرغبتهم في الاستقلال عن سلطة الكنيسة، فإن ما يعنينا في هذه العجالة، هو أن السيادة تسمح على المستوى الدولي، بتأسيس ودعم مبدأ المساواة القانونية بين الدول، وتسمح للدول الضعيفة أيضاً بإعطاء نوع من المشروعية؛ لمقاومتها لتدخلات القوى الخارجية في شؤونها الداخلية؛ وذلك ما يطرح في المرحلة الحالية تساؤلات كبرى بشأن قدرة الدول على الحفاظ على سيادتها في عصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية والسماوات المفتوحة.
ومن الواضح أن التأثيرات، التي تمارسها التكنولوجيات الحديثة على حياة الأفراد والشعوب لم تعد مرتبطة بمجالات الترفيه والتسلية أو بالبرامج التي تقدمها شركات الألعاب؛ لكنها أضحت تمس، في واقع الحال، مجالات حيوية وبالغة الحساسية؛ مثل: التجارة الدولية والتطور الاقتصادي والأمن القومي للدول، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على الكيانات الوطنية؛ من أجل استعادة ما يمكننا تسميته بسيادتها الرقمية والتكنولوجية. ويبدو ذلك واضحاً بالنسبة للقوى الكبرى؛ مثل الصين، التي تعمل على تطوير برامجها؛ الهادفة إلى تحقيق الأمن المعلوماتي والوصول إلى التفوق على المستوى العالمي فيما يتعلق بالأبحاث ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة لجهود الولايات المتحدة، التي تهدف إلى المحافظة على هيمنة شركاتها المتعددة الجنسيات على ميدان التقنية المتطورة في العالم.
وقد دفع هذا الاهتمام الدولي المتنامي بالسيادة التكنولوجية روسيا مؤخراً، إلى الإفصاح عن رغبتها في أن تفرض على موظفيها استعمال هواتف جوالة محلية الصنع، توظف برامج تشغيل محلية أيضاً، وهي الآن بصدد وضع الترتيبات اللازمة، التي ستسمح لها بتطبيق هذه السياسة القائمة على مبدأ السيادة المعلوماتية للدولة الروسية. كما تسعى بعض الشركات الهندية المتخصصة في مجال التقنية، بالتعاون مع نظيرتها الصينية، إلى توفير قاعدة تكنولوجية صلبة تسمح للدولة الهندية بالمحافظة على أمنها التكنولوجي في مواجهة شركات التقنية الأمريكية الكبرى؛ وذلك بموازاة سعي الدول الأوروبية الكبرى وفي مقدمها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى إعادة النظر في منظومتها الأمنية الراهنة المتعلقة بالتكنولوجيا المعلوماتية؛ من أجل استعادة سيادتها المخترقة من قبل الشركات الأمريكية والصينية.
وبالتالي فإنه وبعد عقود من التسامح الدولي على مستوى السيادة التكنولوجية، يشهد العالم استفاقة جدية ومفاجئة بشأن أهمية الحفاظ على الأمن المعلوماتي والتقني، بعيداً عن حالة الافتتان، التي أصابت الدول والشعوب بمزايا التقنيات الجديدة منذ الثمانيات من القرن الماضي؛ وذلك بسبب المخاطر الكبرى، التي يمكن أن تنجم عن ترك القوى الأجنبية تتحكم في قطاعات حساسة واستراتيجية؛ مثل: الأمن التكنولوجي والرقمي للدول، في سياق جيوسياسي يعرف عودة غير مسبوقة للنزعة الحمائية، وبخاصة منذ أن رفع الرئيس الأمريكي شعاره المثير للجدل: «أمريكا أولاً». ويُرجع معظم المتابعين لقضايا الأمن المعلوماتي، التطوّر الراهن على مستوى الوعي الدولي بمخاطر التقنيات الجديدة، إلى واقع المشهد التكنولوجي العالمي، الذي تتمركز فيه التقنية المتطورة، بشكل لافت وغير بريء، بين يدي مجموعة صغيرة من الشركات الكبرى؛ مثل: ميكروسوفت وآبل وجوجل.
هناك إذاً حاجة متزايدة وملحة لدى كل دول العالم، بأهمية الاستثمار في مجال الأمن الرقمي والسيادة التكنولوجية، حتى بالنسبة للدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة، التي اشتكت مؤخراً من اختراق روسيا لسيادتها المعلوماتية؛ من خلال تدخلها في حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وتفرض هذه الوضعية الاستثنائية التي يعيشها عالم التقنية تحديات كبرى على الدول العربية في مجال تحقيق الأمن الرقمي. ويدفعنا كل ذلك إلى الاستنتاج، أن مبدأ السيادة التكنولوجية العربية لا يمكن أن يتحقق في المرحلة الراهنة، في ظل وجود بنية تحتية تكنولوجية تعتمد بشكل كبير على تقنيات وخبرات الشركات الأجنبية المتخصصة في مجال المعلوماتية والذكاء الاصطناعي.

hzaoui63@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى