قضايا ودراسات

تحولات إثيوبية

صادق ناشر

تظهر إثيوبيا وجهاً جديداً لا يعرفه الكثيرون عنها، خاصة أنها لم تتعاف كلياً من تبعات وتداعيات الخروج من أسر الأنظمة السابقة التي أبقتها بلداً فقيراً غير قادر على التأثير في محيطه الإفريقي، كما كانت عليه قبل عشرات السنين، لكنها اليوم تحاول، وهي الدولة الهامة في القارة السمراء، استعادة أمجادها، وإن بطرق حديثة تواكب العصر.
نقطة الانطلاق في إثيوبيا الجديدة تكمن في اتباعها النظام الفيدرالي الذي أنهى سلطة المركز، وأتاح لكل إقليم التنافس كل من موقعه ومكانته في خريطة الدولة، لتقديم خدمات أفضل لسكانه، فتحولت البلاد إلى ما يشبه خلية النحل، بعدما تنازل المركز عن سطوته وتدخله في كل صغيرة وكبيرة، وبالتالي انتهى عهد السلطة المركزية التي كانت تمثل عقبة أمام إعادة بناء بلد مزقته الصراعات الإثنية، والقبلية.
يحسب للنظام الفيدرالي أنه حقق نجاحات في أكثر من مجال، وبفضل تبنيها للنظام اللا مركزي أو الفيدرالي، تمكنت إثيوبيا من إخماد الحروب، التي كانت مستعرة بين أقاليم البلاد المختلفة، فيما حافظت كل قومية على ثقافتها، ولغتها داخل إقليمها، ما أعطى مساحة للتفاهم بين هذه القوميات، وإنشاء علاقات داخلية طبيعية.
وفي المجال الاقتصادي أعطى النظام الفيدرالي دفعة قوية لإثيوبيا في النمو، وإنشاء مشاريع ضخمة تلتف حولها كل القوميات الإثيوبية، مثل القطار الذي يربطها بجيبوتي، والمطارات الجديدة، فيما جاءت الخطوة الأكبر في التفاهمات التي جرت مع الجارة إريتريا للتطبيع السياسي، بعدما وقع البلدان الشهر الماضي، اتفاقية لإنهاء الخصومة بينهما، الممتدة لأكثر من عقدين، سقط خلالها الآلاف من القتلى والجرحى في صراع دامٍ، بدأ مع إعلان إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1991.
وقبل يومين ترجمت أديس أبابا خطواتها نحو تجديد نفسها، عندما أعلن رئيس الوزراء أبي أحمد، حكومة جديدة حظيت فيها المرأة ب10 مناصب من ال20 وزارة، هو قوامها الكامل، ما يعني أن أبي أحمد ساوى بين الجنسين في الحكومة الجديدة، بل وتجاوز حصة المرأة العدد في بعض الدول الأوروبية، العريقة في ممارسة الديمقراطية.
المفاجأة التي حملها التغيير الحكومي الأخير في إثيوبيا تكمن في إسناد وزارة الدفاع لامرأة هي عائشة محمد، لأول مرة في تاريخ البلاد، والقارة الإفريقية بشكل عام، وقد برر أبي أحمد في خطاب إعلان الحكومة أمام البرلمان خطوته هذه، بأن المرأة ستساعد في محاربة الفساد لأنها «أكثر كفاءة، وأقل فساداً من الرجل».
تبدو عملية الإصلاح مستمرة في ذهنية الحاكم الجديد في إثيوبيا، فالرجل لديه الرغبة في إحداث تغيير حقيقي في بلاده التي غاصت في الصراعات سنوات طويلة، وقد حان الوقت لتنعم بمرحلة السلام التي بدأت تلوح في الأفق، ومؤشراتها صارت حقيقة واقعة، ويجني المواطن الإثيوبي ثمارها استقراراً سياسياً واقتصادياً معاً.

Sadeqnaher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى