قضايا ودراسات

سوار الذهب

يوسف أبو لوز

تصلح حياة الرئيس السوداني الأسبق المشير عبدالرحمن سوار الذهب أن تكون عملاً روائياً بؤرته الأدبية والأخلاقية الزهد في السلطة والتخلي عنها في اللحظة المناسبة بأخلاقيات رجل عسكري محترف كان بإمكانه الاستحواذ بموقعه ربما إلى سنوات طويلة، لكن سوار الذهب= ولكل امرئ من اسمه نصيب= اكتفى بفترة انتقالية مدة عام واحد، ليعيش حياة مدنية أقرب إلى العزلة، ولكنها ليست عزلة الانغلاق؛ بل عزلة الإنسان في ذروة عطائه واتصاله المدني بالحياة والناس.
هناك جانب آخر في شخصية سوار الذهب غير الجانب العسكري أو السياسي، هو ثقافته الرفيعة، ودوره في إنشاء جامعة كردفان وهو شغل في فترة من حياته منصب رئيس مجلس أمنائها، وتقول سيرته إنه دعم التعليم في بلاده، واهتم بالعمل الصحي والاجتماعي في السودان.
لم ينحصر دور سوار الذهب في إنشاء جامعة كردفان فقط؛ بل، كان في ذات الرجل نزوع ثقافي فطري، إلى العمل الجامعي والأكاديمي وهذا يعود إلى ثقافته وإلى طبيعة السودانيين بشكل عام والمعروف عنهم ثقافتهم العالية النوعية، وحبهم للقراءة، فهو من مؤسسي كلية شرق النيل الجامعية، كما أسهم في تأسيس جامعة أم درمان الأهلية، ومن المواقع الرفيعة لسوار الذهب أيضاً رئاسة الصندوق القومي للسلام في السودان، إلى جانب مواقع أخرى في كيانات إنسانية دائماً تتوجه إلى خدمة المجتمع المدني في بلاده، وفي أماكن أخرى من العالم.
من يقرأ هذه السيرة لرجل عسكري، يعرف عمقه وشخصيته من داخلها البعيد، ويعرف بسرعة كيف أن هذه الشخصية من داخلها البعيد، ويعرف بسرعة كيف أن هذه الشخصية قابلة، وبهدوء، للتخلي المدني الحضاري عن السلطة نحو ما هو ثقافي وإنساني واجتماعي.
من يقرأ سيرة سوار الذهب يعرف أيضاً كيف تتكون الشخصية الروائية في بيئة ثقافية أساساً، قبل أن تكون بيئة سياسية، وهو على أي حال إن لم يلتفت إليه روائي سوداني يسجل من خلال حياته جانباً من ملامح السودان السياسي في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين، فهو كان ملهماً لعدد من الشعراء العرب الذين وجدوا في النأي عن السلطة بهذه الطريقة الشفافة دافعاً فطرياً للكتابة عن رجل يسجل مثالاً فريداً في صدقه مع ذاته أولاً، وصدقه مع بلاده وشعبه.
في الكتابة عبدالرحمن سوار الذهب أيضاً تحضر الشخصية السودانية وطبيعتها الثقافية والنفسية والأخلاقية فالسوداني بطبعه وحقيقته طيب القلب والمعنى والروح، إنه يمتلك فيضاً من التسامح الأصيل، ويميل بفطرته إلى طبع ودود على كثير من الحنو واللطف الجميل.
السوداني بطبعه أيضاً قنوع، ويمتلك روحاً تصوفيه نقية، وهو ابن بلد غني بالتنوع الثقافي العربي الإفريقي، فضلاً عن أساطير وتراث السودان وثقافته الشعبية الغزيرة.
عبدالرحمن سوار الذهب أخذ من كل هذه الينابيع الصافية، فامتلك توازناً مثالاً في ذاته، وقاس المصلحة إلى جانب الواجب، فاختارت وطنيته الواجب، وغلّبت ما هو عام على ما هو فردي ضيق أو نرجسي.

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى