قضايا ودراسات

للتفوق ومسابقة الأمم

شيماء المرزوقي

بات واضحاً أن من أسباب تعثر المجتمعات في مجال التنمية والنمو والتطور، تدني المعرفة وانتشار نوع من الأمية، التي لا يقصد بها جهل القراءة والكتابة، وإنما عدم المعرفة، وعدم الفهم بمتطلبات المرحلة، وعدم الوعي بحاجات المستقبل؛ لأنك ستجد من يحملون شهادات علمية ومن مؤسسات تعليمية مرموقة؛ لكنهم يجهلون الحكم على الواقع وحاجاته، ولا يدركون متطلبات المستقبل، وكيف يخططون لتحقيقها وبلوغ هذا المستقبل.
هذه الشهادات والعلوم، التي اكتسبوها منفصلة عن واقعهم، وبعيدة عن نبض الحياة اليومية.
هناك جانب آخر لمثل هذه الحالة من التعثر؛ وهي عدم القابلية للتغير، وإن حدث فهو يتم بشكل بَطيء جداً، وبالتالي لا توجد رغبة وإرادة للتغيير، ولا توجد أصوات تحث على التجديد؛ بل إن الصوت الأكبر والأكثر وضوحاً هو ذلك الذي يحث على إعادة البناء التقليدي وفق الأنماط المعروفة، ودون المجازفة بأي تجديدات، ولا المغامرة بإدخال تحديثات، وهم يعتقدون أنهم يسيرون نحو الأمام، والحقيقة أنه لا توجد مسيرة ولا أي طريق أو هدف.
قد يعد البعض أن مثل هذه المجتمعات المتعثرة غير موجودة في عصر الذكاء الاصطناعي، وثورة الاتصالات الحديثة، والحقيقة أن المجتمعات المتعثرة ليست موجودة في عالمنا وحسب، وإنما كأنها تعود إلى الخلف؛ لأن مواضيع حيوية ومهمة حسمت في مختلف أرجاء العالم، ستجدها ماثلة ولا تزال في تلك المجتمعات محل أخذ ورد.
أسوق لكم مثالاً عن الطاقة الكهربائية؛ حيث تجد أن هناك تعثراً في إيصال الكهرباء لقطاع واسع من الناس في كثير من بقاع العالم، وتبقى منقطعة بالساعات الطويلة عن بقع أخرى. وبالتالي فإن مفاصل ومهاماً وأعمالاً حيوية مهمة تبقى بعيدة عن أي خطوة تطويرية، وإذا كانت هذه هي الحال في جانب الطاقة، التي تعد رافداً وقاعدة لجملة من المهام والأعمال، فكيف هي الحال في جوانب حياتية أخرى؟
دون شك أن قطاعات؛ مثل: الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وغيرها الكثير، ستتأثر وستتوقف معها عجلة النمو والتنمية، وسيصبح صانع القرار مشغولاً بتوفير الأساسيات الآنية وليس للتخطيط واستهداف المستقبل، وهذا بحد ذاته يعد خللاً بالغاً وكبيراً.
المجتمعات التي تنظر للغد، وتخطط وتعيش بمرونة وتواكب تطورات العالم، ومنفتحة لاستقبال كل جديد مع المحافظة على ثوابتها وقيمها؛ هي التي تنجح في مضمار مسابقة الأمم، وهي التي تتفوق في مجال الاقتصاد والرفاه الاجتماعي، وترتفع معدلاتها والأرقام، التي تحصدها على المؤشرات الدولية.

Shaima.author@hotmail.com
www.shaimaalmarzooqi.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى