قضايا ودراسات

لحظة التوازن!

مريم البلوشي

في دواخلنا الكثير من الرغبات، الأحاسيس المتغيرة، التراكمات العمرية، والقصص الطفولية، الصرخات التي حبسناها كثيراً، والبكاء الذي لم نعرف سوى أن نكتمه، الفرح الذي خفنا أن نعيشه بصوت عالٍ من أجل القيل والقال، الحب الذي تملكنا ولم ندرِ عنه إلا عندما رحل عنا. تداولنا السخط ربما وأحياناً تساءلنا في جوف الليل عن بعض من قصائد لم تدغدغنا بل أوردتنا وادياً من الغياب والبعد، حتى فوجئنا بأننا مغرمون بما لا نعرفه! في دواخلنا تعيش جيوش الكلمات تتصارع فيما بينها، بين الخير والشر، ما تراه أعيننا وتكتبه في داخلنا، في سطور لا تريد سوى ألّا تكتب، البؤس حالة متوددة لنا لكنها ليست صفتنا في حياتنا، قد نتوه في خليط المشاعر المتأججة، وقد تجرفنا المواقف الكثيرة في سيول الفيضانات والطغيان في دوائر الشك والخوف ممّا قد يصير…! لا يصبح ما نريد ولا نمسي على ما أحببنا، تلك الغشاوة التي تبقي بعضنا في ديمومة البحث والتودد بشكل متردد لقائمة الأطباء، ولربما بعض من خرافات!.
كل الاضطرابات، والتخيلات هي حالة مؤقتة، لكنها غير بسيطة، قد يمر بها البعض أياماً وشهوراً، وقد تستمر عند البعض سنواتٍ وقد يموت آخرون بها بعد التعمق والتشرب لحالة من البؤس يُرثى لها ويُبكى، هل نعقل ذلك ونبقى أينما كنا في مكان لا مكان له؟ كل تلك العواطف المختلطة في عقولنا ومشاعرنا، تهزنا ليلاً ونهاراً هي قرارتنا الداخلية، وقرارنا الأهم هو أن نتحرر، وأن نعود بعد كل الدوائر، ونقف من الخارج إلى الداخل، ونخاطب أنفسنا في لحظة من الزمن ونقول: اكتفينا!
الاكتفاء من كل تلك المشاعر هو خطوة الحياة الحقيقية التي لا تأتي من بكاء تحت وسادة المساء، أو حرمان أنفسنا من الحياة، بل هي التشبث بكل جميل، التواصل عبر الأرواح الحقيقية، والتودد لمن يبقينا مبتسمين، التحرر من أنفسنا لنعود لها مرتاحين متّزنين، في لحظة ما من التشبع بكل المجريات نقول لحالنا: لقد اكتفيت من ألّا أكون نفسي. تبدأ كل الصور بالتغير، يتغير فصل الشتاء ويعود الربيع مزهراً في عيون المحبين، وتبدأ زهور البنفسج تقول في ترددات الهوى: الحياة تستحق لحظة توازن!
التوازن لا يأتي من عدم خبرة، كل ما يمر بنا يعيد تشكيلنا بمفردات جديدة، بعوالم جديدة وحتى أفراد جدد، من كان يبكيك يوماً سيعود لك في دائرة البكاء، وستكون أنت الملاذ المحب الذي سيهديه الحياة من جديد لأنك اليوم في اتزان؛ تحب. ليس فينا سوى رحلة الحلم من الماضي للحاضر، للمستقبل والعودة لأحضان السعادة، هي اختيار وقبول ورضا، هي امتنان واستحقاق، الفرح متحرراً من مخاض الحزن وشرنقة الخوف.
الاتزان من بؤرة البوس، نغمض أعيننا، نفتحها، نبتسم ونقول «الحمد لله».

mar_alblooshi@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى