قضايا ودراسات

زمن العمل العربي المشترك

عبدالله السويجي

تتضح يوماً بعد يوم، حتمية العمل العربي المشترك، ولا نريد أن نكون طموحين كثيراً بالقول بحتمية الوحدة العربية انطلاقاً من القومية العربية؛ لأن هذا التوصيف الأخير بات يشكل حساسية لدى البعض، ومر زمن أصبح فيه المصطلح مثاراً للسخرية، في ظل انكفاء العمل العربي المشترك لصالح القطرية والشوفينية التي تعبّر أو تخفي بشكل أو بآخر معنى من معاني العنصرية والانزواء والتقوقع.
وقد حدث هذا التقوقع في ظل التحالفات العديدة التي لا حصر لها، في السر والعلن، لبعض الدول العربية مع العالم الآخر، شرقاً أو غرباً، دون أن تتجه البوصلة ولو مرة واحدة إلى العالم العربي، وكأن هذا العمل يشكل خطراً على بعض الأنظمة، وهي قناعة غير مبررة على الإطلاق، وليست منطقية لا في سياقها التاريخي ولا في واقعها الجغرافي أو المصالح الجيوسياسية، وقد كانت «إسرائيل» أبرز المستفيدين من هزيمة الفكر الوحدوي، وهي تخطط منذ إنشائها لتفتيت العالم العربي وتقسيمه تمهيداً للاستفراد به والسيطرة عليه، والتحكم في ثرواته الطبيعية والبشرية.
منذ العام 1948 والعالم العربي وبنسب مختلفة يقول في الإعلام إنه يواجه «إسرائيل»، ونشبت ثلاث حروب كبيرة بين الاحتلال والعرب؛ الأولى في العام 1948 ونتجت عنها النكبة الفلسطينية، وتشرد مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني في الدول العربية والعالم، وأصبحوا اليوم يعدون بالملايين ويعيشون في مخيمات، وترعاهم «أونروا» المهددة هي الأخرى بالإفلاس والإقفال، والحرب الثانية وقعت في العام 1967 وخسر فيها الفلسطينيون ما تبقى من أرضهم (الضفة الغربية وقطاع غزة)، كما خسرت مصر سيناء وخسرت سوريا هضبة الجولان، وخسر لبنان مجموعة من القرى التي لا تزال محتلة حتى اليوم.
والحرب الثالثة وقعت في العام 1973، وربحت فيها مصر نسبياً وعبرت قناة السويس واستعادت كيلومترات عدة. ووقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد للسلام في 17 سبتمبر 1978، وتم تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية منذ العام 1979 حتى عام 1989، وتم توقيع اتفاقيات من بينها اتفاقية أوسلو، واتفاقية القاهرة، واتفاقية وادي عربة، ولم تسفر هذه الاتفاقيات عن إقامة دولة فلسطينية حتى اليوم؛ لأسباب كثيرة، ولكن يأتي على رأسها غياب التضامن العربي.
وسنقفز عن التفاصيل للوصول إلى عام 2011، حين انطلق ما سُمي بالربيع العربي، وكانت نتيجته تدمير سوريا وليبيا واليمن، وزرع الفوضى في مصر، وقبلها كان العراق قد نال نصيبه من التدمير الممنهج، واليوم نحن أمام أربع دول عربية لا تستطيع توفير الأمن والاستقرار لمواطنيها، بنسب متفاوتة، هي العراق وسوريا واليمن وليبيا، إضافة إلى عدم الاستقرار في عدة دول أخرى؛ أي معظم بلدان العالم العربي أصبحت غير مستقرة والسبب غياب هذا التضامن، واستمر هذا الغياب حتى عندما بزغ نجم «داعش»، وبدأ يهدد الجميع بدون استثناء، واحتل مساحات شاسعة من دول مثل سوريا والعراق وليبيا، وقفز إلى اليمن أيضاً، من دون أن يجتمع العرب ويضعوا استراتيجية واضحة لمواجهة هذا الإرهاب الذي يهدد أنظمتهم.
أما «إسرائيل» فكانت الرابح الأكبر، وساعدت المسلحين وسلحتهم وعالجتهم ومدتهم بالأسلحة وغيرها، ورغم ذلك، لم تظهر أي مبادرة عربية لمواجهة التهديدات، ولهذا قدمت «إسرائيل» نفسها كحليف في الحرب على الإرهاب، وانطلى هذا الأمر على كثيرين، وأمام هذا الواقع المشتت أعلن الرئيس الأمريكي ضم القدس ل«إسرائيل» التي تجرأت وأعلنت قانون الدولة اليهودية.
الواقع الآن أخطر من السابق؛ لأن هناك خطة للقضاء على الاستقرار في ما تبقى من دول عربية حافظت على تماسكها أمام المد الإرهابي.
العمل العربي المشترك حتمية وضرورة قصوى أمام التحديات والتهديدات الخارجية، ويمكننا القول بالفم الملآن، إن هناك تهديدات خارجية حقيقية للعالم العربي وثرواته ومقدراته ومستقبله، وجميعها تهدف إلى ممارسة ضغوطات للقبول بصفقة القرن التي لا شك أنها ستكون لصالح «إسرائيل»؛ لأن نتيجتها ستكون إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وخسارة القدس، وفرض سلام على العالم العربي والتطبيع مع العدو «الإسرائيلي».
نصْل السكين الآن يلامس الحناجر، وهنالك متسع من الوقت لإحياء فكرة العمل العربي المشترك وتجسيدها على أرض الواقع، وستستقبلها الشعوب العربية بفرح كبير، وستدافع عنها بصدور عارية؛ لأنها تحافظ على كرامتها؛ إذ لم يتجرأ أحد على الأمة العربية كما يتجرؤون الآن. والحديث ذو شجون.

suwaiji@emirates.net.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى