قضايا ودراسات

ترامب ومعاهدة الصواريخ

مفتاح شعيب

كثيرة هي القرارات المفاجئة والمتقلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وآخرها الانسحاب من المعاهدة النووية المتوسطة المدى الموقعة إبان الحرب الباردة، بحجة أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي وقعها عام 1987 الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان وآخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف، وقد قاومت تلك المعاهدة من أجل البقاء لأكثر من ثلاثين عاماً.
الخطير في الموقف الأمريكي أن الانسحاب من جانب واحد سيطلق سباقاً جديداً للتسلح بين القوى العظمى. وفي أول رد فعل روسي، أكد نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف أن توجه ترامب سيؤدي إلى خلل استراتيجي، معتبراً أن موسكو تحلّت بالصبر أمام الانتهاكات الأمريكية الصارخة للمعاهدة، ومعنى هذا الموقف أن روسيا ربما تجد نفسها في حِل من الأمر إذا صمم الأمريكيون على الخروج منه، وإذا لم تستطع المواقف الدولية مواجهته، وحينذاك سينجرف العالم إلى حرب باردة ثانية، ربما تكون نتائجها أفظع وأفدح من نتائج الحرب الأولى. فروسيا التي تتعافى من مخلفات الإرث السوفييتي لن تقبل أن تكون قوة ثانوية، كما لن تسمح، بحسب ما يقول مسؤولوها، للولايات المتحدة بأن تبني عالماً أحادي القطب يدير الشؤون الدولية بعقلية الصفقات والمساومات.
أحد أبعاد الانسحاب من هذه المعاهدة فتح سباق محموم بين جميع القوى القادرة على صناعة الصواريخ المتوسطة المدى، وحينها سينقسم العالم بين واشنطن وحلفائها وموسكو وحلفائها، والملاحظ أن عدد الدول القادرة على صناعة هذا النوع من الأسلحة تضاعف مقارنة بما كان عليه الحال في ثمانينيات القرن الماضي، والنتيجة أن الترسانة المفترضة ستكون أكبر من قدرة الأرض على التحمل، وهو ما يفاقم المخاطر على الأمن الدولي وقد يؤدي نشوب نزاع جانبي إلى صراع شامل، فمن دون معاهدات وضوابط، يمكن للأمور أن تنفلت بسرعة. كما أن الحسابات المسبقة قد تقود إلى خسارة مروّعة، والمقصود بذلك هي الولايات المتحدة، فهذه الدولة العظمى، منذ مجيء ترامب، لم تعد في وفاق مع جميع حلفائها تقريباً، فقد انسحبت من اتفاق باريس للمناخ وألغت الاتفاق النووي مع إيران، وها هي تعود إلى نسف معاهدات أشد خطورة، فإلغاء معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة، يضع المصالح الأمريكية تحت التهديد، لا سيما في آسيا حيث تواجه أمريكا قوة عظمى بكل المقاييس هي الصين، وقد دخل البلدان في حرب تجارية، ويتواجهان في بحر الصين الجنوبي، إضافة إلى خلافاتهما الكبيرة بشأن كوريا الشمالية وقضايا الأمن في منطقة جنوب آسيا والتنافس الاقتصادي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
قرار الرئيس الأمريكي المتقلّب قد يأتي بتداعيات عكسية، لكنه يضيف عاملاً جديداً لعوامل التوتر بين الشرق والغرب، فموسكو مازالت تعلن استعدادها للتعاون، لكنها جاهزة للمواجهة أيضاً. ومثل هذه المواقف لن تجلب الخير للإنسانية جمعاء، فانعدام التوافق والمراعاة المشتركة للمصالح لن يكون في مصلحة أحد ونتائجه ستكون كارثية على الجميع.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى