قضايا ودراسات

الإرهاب والتعليم

د. حسن مدن

قد يثار تساؤل وجيه هنا وهو: ما العلاقة بين الإرهاب والتعليم؟ وكيف يصح وضعهما متجاورين؟ فيما هما نقيضان. التعليم يعني خلق الوعي والمعرفة، وتهذيب النفس والرقي بالعقل، وهي كلها أمور نقيضة للإرهاب الذي يعني التعصب والتطرف وتحبيذ العنف، وعدم التردد في ممارسته في أشد صوره بشاعة ورعباً، على النحو الذي رأيناه يمارس في العراق وسوريا وليبيا، وغيرها من الدول؛ عربية كانت أو غير عربية.
ومن آيات التناقض بين الإرهاب والتعليم، ما فعلته وتفعله الجماعات الإرهابية حين يستتب لها الأمر في بلد من البلدان، أو تبسط سيطرتها على منطقة من المناطق، فأول ما تفعله هو تعطيل التعليم، وإغلاق المدارس التي بنتها الحكومات، وإجبار الفتيان والفتيات على الخضوع لنمط من التعليم الذي يسمى زوراً وبهتاناً بالتعليم الديني، غايته تلقين الأجيال الجديدة الأفكار المدمّرة لهذه الجماعات، التي تُكفِّر المجتمع وتحض على التطرف، ورأينا كيف حوّلت هذه الجماعات كثيراً من الفتيان إلى مقاتلين في صفوفها، بعد أن أفسدت أذهانهم بالأفكار المارقة التي تدعو إليها.
لكن ليست هذه هي المقاربة الوحيدة للعلاقة بين التعليم والإرهاب، على أهميتها وصحتها.
المقاربة الأخرى التي لا تقل أهمية إن لم تزد تتصل بمسؤولية أنظمة التعليم في كثير من بلداننا، وبعض القائمين على منظومته، من إداريين ومعلمين إن لم يكن عن «صناعة» الإرهاب بصورة مباشرة، فعلى الأقل تحبيذه وتسويغه، من خلال تهيئة الأذهان الغضة للتلاميذ بقبول التطرف والتعصب، وما إن تستحوذ مثل هذه الأفكار عليهم، حتى يصبحون في وضع يدفع كثيرين منهم للانخراط في التنظيمات المتطرفة.
حصرنا المسؤولية في بعض القائمين على منظومة التعليم من إداريين ومعلمين؛ لأننا نعرف أن الغالبية الساحقة من المربين أوفياء لرسالتهم التربوية والتعليمية، وأن الكثير منهم يحمل فكراً مستنيراً يتجاوز المناهج الدراسية المعتمدة في كثير من الحالات، العاجزة عن تقديم تعليم عصري تنويري، يحفز على التفكير ويربي الناشئة على قيم العمل والتسامح وحب الحياة، لا كراهيتها والنقمة عليها.
أكثرنا الحديث عن غياب مادة الفلسفة من برامجنا التعليمية، وهو إجراء مستهجن، ونعرف من واقع التجربة حتى في بلداننا الخليجية، كيف يتم إلغاء حصص تعليم الموسيقى من قبل إدارات بعض المدارس، بحجة أن الموسيقى حرام، رغم أن وزارات التربية تعيّن معلمين لتدريسها، ولكن للأسف يجري غض الطرف عن هذه التجاوزات لسياسات وزارات التعليم، ما يسمح بتعميمها وجعلها أمراً واقعاً.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى