قضايا ودراسات

السينما بصيغة التعدد

عبد الحسين شعبان

«أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً»، كان هذا ما قاله أحد مفكري مطلع القرن العشرين، حيث لم تكن السينما حينها فنّاً شعبياً معروفاً ومنتشراً، ولو عاش حتى أوائل الخمسينات لكان قد وضع السينما في الصدارة، حين أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التي تأخذ أشكالاً متنوعة عبر الزمان والمكان، ويتجسّد هذا التنوّع في أصالة وتعدد الهويات التي تميز الجماعات والمجتمعات التي تشكل البشرية كما ورد في «الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي» الذي صدر عن اليونيسكو في 2 نوفمبر2001.
وإذا كانت الثقافة تحتل مكانة متميزة في البلدان المتقدمة وفي المقاربات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الحضور السياسي، فالسينما جزء لايتجزأ منها لما تمثّله من توجه للاستقرار الاجتماعي ومحرك للنشاط الاقتصادي ووسيلة تقارب بين الشعوب والأمم والبلدان، فذلك لأن الثقافة بمعناها الواسع تمثّل مجموع معارف وقيم ومعتقدات وعادات وتقاليد مجموعة بشرية، وكذلك طريقة عيشها وسلوكها وقيمها الفكرية والأخلاقية التي تنتقل من جيل إلى جيل لتعبّر عن هويتها الخاصة من جهة وعن علاقتها مع محيطها ومن الهويات الأخرى من جهة ثانية، فضلاً عن التنوع داخلها والتعدد في إطارها، ومثل هذا التنوع يمثل ضرورة للبشرية مثل التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحيّة.
وبما أن السينما ذات بعد كوني، كان لا بد من فتح النقاش حولها لما لها من ترابط إنساني يمكنه المساهمة في التآلف والتقارب بين الثقافات والأديان لإرساء مبادئ الحوار والعيش المشترك والمصالح المتبادلة، ومثل هذه القضايا كانت مطروحة بقوة هذا العام في إطار «المهرجان الدولي للسينما» في مدينة الناضور الشمالية المغربية، والذي شارك فيه خبراء ومفكرون وباحثون وفنانون وناشطون من عدد غير قليل من البلدان.
وإذا كانت السينما صورة وصوتاً وذلك أحد وجوهها، فإن لها وجهاً آخر حقوقياً وإنسانياً هادفاً أيضاً دون أن يعني ذلك تسييسها أو إقحامها في عالم السياسة بطريقة متعسفة، بقدر اعتبارها أحد الفنون المهمة القادرة على تعزيز الوعي المشترك بأهمية التعايش والتعاون وجدواهما، وذلك بجعلها رافعة من روافع القيم الإنسانية السامية ولدعم الحوار بين الثقافات المختلفة.
إن هذه المقاربة الجديدة للسينما، تشجع على اعتماد استراتيجية منفتحة على أماكن مختلفة من العالم، فقد كانت الهند ضيفة الشرف في الدورة السابقة (السادسة) للمهرجان الذي ينظمه «مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام» تحت عنوان «ذاكرة المحيط»، أما الدورة الحالية (السابعة) للمهرجان فقد خصصت للقارة السمراء؛ حيث شكل الاحتفاء بنسائها أساساً في مجموعة الأفلام المعروضة.
ولأن «الفن السابع» يمكن أن يكون أحد وسائل إنعاش الذاكرة، فإما أن يتم استغلاله إيجابياً أو سلبياً، الأول حين يتم تطعيمه بجرعات أمل لجعل جراحات الماضي وقوداً لبناء عالم جديد ومجتمع جديد تتعايش فيه الهويات الفرعية ويتسع للجميع على أساس المساواة والعدل والشراكة بحيث تتوازن الحقوق والواجبات في إطار حفظ الكرامة الإنسانية، والثاني – الذي يستحضر الذاكرة لنكء جراحات الماضي وبث روح الكراهية والبغضاء والحقد والانتقام.
وإذا كان منظمو المهرجان قد اختاروا الوسيلة الأولى، فإن هذا الاختيار عبّروا عنه بالملموس حين كرّموا حقوقياً وإنسانياً رمزين من الرموز التي ساهمت في تعزيز ثقافة الأمل.
الأول- السيدة عائشة الخطابي كريمة قائد ثورة الريف محمد عبد الكريم الخطابي الزعيم المغربي، الذي قاوم الاحتلال الإسباني لبلاده والذي نهلت منه السيدة عائشة في مسارها العائلي مواقفها المؤكدة على وحدة الوطن ورقيّه وتقدمه وإرثه الوطني المشترك ومصيره الواحد المتنوع.
والثاني- خوسيه لويس ساباتيرو، رئيس حكومة إسبانيا الأسبق الذي ساهم في تقوية وتعزيز التجربة الديمقراطية الإسبانية والدعوة إلى تفعيل القيم الديمقراطية المشتركة على ضفتي البحر المتوسط وتعزيز الحوار بين الشعوب والثقافات، وكان له دور أساسي في سحب القوات الإسبانية من العراق عقب توليه دفّة الحكم، وحين شكرته على موقفه هذا، أجابني «العراق قضيتي»، الأمر الذي يعني أن رسالة السلام واحترام مصائر الشعوب وحريتها تشكّل هاجساً أساسياً لدى الرجل الذي عبّر عن إيمانه بالتسامح والعيش المشترك.
وهكذا تندمج لحظات الاستمتاع بالفن النبيل لاستحضار قضايا الحقوق والحريات في أفقها الإنساني والقيمي، فالسينما ليست مجرد متعة، بل هي إبداع وجمال يكحّل العيون ويغني القلوب ويقدّم قوة المثل.

*باحث ومفكر عربي

Email: drshaban21@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى