قضايا ودراسات

السلام المزعوم

نبيل سالم

منذ اعتراف الولايات المتحدة، بالقدس عاصمة ل«إسرائيل» في العام الماضي، ونقل السفارة الأمريكية إليها، بدا واضحاً، أن عملية التسوية المشلولة أصلاً، دخلت في موت سريري، نظراً لأهمية قضية القدس، وعدم مقدرة أي جهة فلسطينية، على تقديم تنازلات جديدة، قد تكون مقبولة حتى من قبل دعاة التسوية والمنظرين لها، كما بدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية الحالية، لا تسعى إلى لعب دور الوسيط في المفاوضات، وإنما تخندقت بشكل كامل في صف «الإسرائيليين»، ضد العرب عامة والفلسطينيين بشكل خاص؛ إذ إن أحداً لا يمكنه التقليل من أهمية القدس بالنسبة للعرب والمسلمين.
ومع أن الإدارة الأمريكية أمعنت في خطواتها العدائية للقضية الفلسطينية، بخطوات لاحقة تمثلت بوقف دعمها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ووقف مساعدتها المالية للسلطة الفلسطينية، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، إلا أن هذه الإدارة ذات الطابع البراغماتي في التعامل مع الأمور، تحاول على ما يبدو استرضاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وإعادته إلى طاولة المفاوضات بعد إعلانه مقاطعة الإدارة الأمريكية، وذلك لترويض الموقف الفلسطيني، والضغط عليه أكثر للقبول فيما بعد بتقديم تنازلات جديدة، إضافة لتلك التنازلات الكثيرة التي قدمتها السلطة الفلسطينية، على مائدة مفاوضات عبثية، على مدار أكثر من ربع قرن، أدخلت القضية الفلسطينية في متاهات لا نهاية لها.
وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية فإن مسؤولين «إسرائيليين» أعربوا عن خشيتهم أن تتضمن خطة السلام المسماة «صفقة القرن» الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للدولتين «إسرائيل» وفلسطين، كجزء من الجهد الأمريكي لاسترضاء القيادة الفلسطينية للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ونقل عن مسؤولين «إسرائيليين» قولهم إن الإدارة الأمريكية تحاول منذ قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالمقاطعة، إيجاد صيغة حل لاسترضائه.
وأعرب المسؤولون «الإسرائيليون» عن تخوفهم من إغراءات يقدمها البيت الأبيض للرئيس الفلسطيني بإعلان مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.
في حين قال مسؤول «إسرائيلي» حسب «يديعوت»، إن ترامب جادّ جداً بإيجاد حل للصراع الفلسطيني «الإسرائيلي».
وأشارت مصادر «إسرائيلية» إلى أنه إذا خسر الجمهوريون في الانتخابات النصفية، فإن ترامب قد يزيد من جهوده للوصول إلى حل للصراع؛ للانتقال إلى ولاية ثانية من خلال حل الصراع العربي «الإسرائيلي».
وترى هذه المصادر أنه في حال اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة للدولة المستقبلية القادمة في «صفقة القرن» فإن ذلك سيضع رئيس وزراء «إسرائيل» بنيامين نتنياهو في عقدة لا حل لها، وخصوصاً إذا دعا لانتخابات مبكرة، وسيخبر نتنياهو الإدارة الأمريكية أن قراراً من هذا النوع سيزيد من الرفض في اليمين «الإسرائيلي»، ويصبح من الصعب عليه تشكيل ائتلافه.
وفي هذه الحالة، فإن نتنياهو قد يطلب تأجيل إطلاق خطة السلام «صفقة القرن» حتى ينتهي من إجراء الانتخابات في «إسرائيل»، في وقت متوقع فيه أن تعلن الإدارة الأمريكية عن «صفقة القرن» في نهاية العام 2018 أو بداية 2019.
وتوضح المصادر «الإسرائيلية» ذاتها أن الرئيس الأمريكي يعمل وفق رؤية تقول إن من يأتي إلى طاولة المفاوضات عليه تقديم تنازلات، ولن يكون هناك اتفاق أو تنازل من طرف واحد، وأن من يترك طاولة المفاوضات عليه أن يدفع الثمن.
والحقيقة أن من يتمعن في هذه المواقف والتصريحات «الإسرائيلية»، يدرك من دون أي عناء، أن قادة «إسرائيل» يريدون ابتزاز الطرف الفلسطيني، عبر استعمال سياسة العصا والجزرة؛ إذ هم يلمحون بخبث إلى إمكانية أن تتضمن ما تسمى صفقة القرن، إقامة العاصمة الفلسطينية في القدس، وهو أمر قد يخفف حسب اعتقادهم، من المواقف الفلسطينية الرافضة لصفقة القرن، في حين يلمحون إلى أن من يترك المفاوضات عليه دفع الثمن، وفي ذلك تبادل واضح للأدوار بين «إسرائيل» والولايات المتحدة، التي يبدو أنها تحاول تمرير ما تسميه صفقة القرن بأي ثمن.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا، هو: ماذا بقي للفلسطينيين كي يقدموه من تنازلات، في تلك المفاوضات، سوى القبول بالاستسلام للشروط «الإسرائيلية» والأمريكية، تحت لافتة سلام مزعوم، أثبت أنه لا يقل خطورة عن الحرب التي تشنها «إسرائيل» بدعم من الولايات المتحدة، والتي أبقت الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال، ناهيك عن آلاف الأسرى القابعين في سجون هذا الاحتلال، وزيادة الاستيطان العنصري «الإسرائيلي» بشكل سرطاني في الأراضي الفلسطينية، التي تحولت إلى مجرد جزر معزولة، لا تصلح فقط لإقامة دولة فلسطينية، إنما لا تصلح للحياة أيضاً، بعد تحولها إلى معازل عنصرية، تذكر بنظام الأبارتايد العنصري الذي كان سائداً في جنوب إفريقيا؟.
أخيراً وليس آخراً نقول: إن ما يسعى إليه «الإسرائيليون» المحتلون، ليس السلام أبداً، وإنما فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، الذي يعول عليه فقط في مواجهة مخططات الاحتلال والصفقات المشبوهة لتصفية القضية الفلسطينية.

nabil_salem.1954@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى