قضايا ودراسات

أفغانستان والديمقراطية والتفجيرات

د. ناصر زيدان

ما تحمَّله الشعب الأفغاني من معاناة؛ لم يسبق أن تحمله شعب آخر، لاسيما لناحية المدة الزمنية الطويلة، التي لم تعرف الاستقرار في البلاد، وهي ناهزت 40 عاماً، بدأت مع الدخول العسكري السوفييتي في عام 1978، واستمرَّت بعد رحيله مع حركة «طالبان»، مروراً بالدخول الأمريكي والأطلسي عام 2001 وصولاً ليومنا هذا.
في أفغانستان اليوم أكثر من 8,7 مليون شخص في حالة فقر مُدقع يحتاجون لمساعدة، وأكثر من 4,2 مليون تعرضوا لنكبات إنسانية؛ جرّاء الجفاف والعوامل الأمنية والطبيعية وهم بحاجة لإغاثة عاجلة ومتواصلة، وحتى الآن لا يزال حوالي 2,6 مليون أفغاني من النازحين خارج البلاد؛ جرّاء الحروب المتواصلة. والتضحيات البشرية والمادية التي دفعها الشعب الأفغاني لا تُحصى. فمنذ وصول الرئيس أشرف غني إلى الحكم بانتخابات عام 2014 حتى اليوم، تعرَّض عدد غير قليل من الأشخاص للقتل والتشوية وللأضرار الجسدية. هذه المعلومات أشار إليها رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقديم الإغاثة والمساعدة للشعب الأفغاني تاواميشي ياماموتو.
الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، تكبدت ما يقارب 2700 قتيل وما يزيد على 841 مليار دولار منذ دخولها إلى أفغانستان في عام 2001 حتى اليوم، وفقاً لإعلان صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية.
الانتخابات التشريعية الأخيرة حرَّكت ماكينة التفجيرات بوتيرة متسارعة، كما أنها حرَّكت الاتصالات الدبلوماسية في آنٍ واحد؛ لكن التفجيرات لم تمنع إجراء الانتخابات كما صرَّح الرئيس غني، والاتصالات الدبلوماسية – السرية والمُعلنة – لم توقِف التفجيرات.
أكثر من 300 شخص سقطوا منذ التفجير الانتحاري الذي حصل أمام مركز لتسجيل الناخبين في كابول بتاريخ 22 إبريل/نيسان 2018 لغاية اليوم. والأعمال الإرهابية التي تستهدف تعطيل الانتخابات استمرَّت بوتيرة مُتسارعة في عدد من المناطق، آخرها تفجير انتحاري في ولاية هلمند في الجنوب وقع ضحيته 9 قتلى بينهم المرشح صالح اسيكزاي.
المفاوضات التي حصلت بين وفد من الحكومة الشرعية وثلاثة من قادة «طالبان» في2018/9/28 لا يبدو أنها كانت حاسمة بنتائجها، لناحية تثبيت وقف إطلاق النار بين الفريقين، وتسهيل إجراء الانتخابات، رغم التزام الحكومة بالإفراج عن عدد من السجناء الموالين ل»طالبان». و»طالبان» لا تزال تعد الانتخابات غير شرعية، وهي تجري تحت الاحتلال – وفق رأيها – غامزةً من قناة وجود 12 ألف ضابط وجندي أطلسي – بينهم 8400 أمريكي- في البلاد؛ بعد أن انسحبت هذه القوات من أفغانستان نهاية عام 2014.
الرئيس الأفغاني أشرف غني قال: الأفغان الذين يؤمنون بالديمقراطية لن يسمحوا للإرهابيين بوقف الانتخابات، واتهم الذين عادوا من سوريا بالقيام بأعمال تفجيرية استهدفت مراكز انتخابية وتجمعات شعبية أسفرت عن عدد كبير من الضحايا، بينهم 6 من المرشحين . وبالفعل فقد تبنَّت وكالة أعماق التابعة ل»طالبان» المسؤولية عن عدد من التفجيرات، التي حصلت منذ إبريل/نيسان الماضي حتى اليوم.
قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2014 حصلت تفجيرات استهدفت إلغاء الانتخابات؛ لكن الانتخابات جرت وفاز بنتيجتها الرئيس الإصلاحي أشرف غني.
جنَّدت الحكومة الأفغانية أكثر من 58 ألف جندي؛ لحماية العملية الانتخابية في 5000 مركز اقتراع، والقوات الأمريكية تُقدم للجيش والشرطة الأفغانية مساندة لوجيستية وخُبرات فنية. والمرشحون ال 2500 لم يتجاوبوا مع دعوة «طالبان» لهم بسحب ترشيحاتهم، وهؤلاء استمرُّوا في خوض الانتخابات حتى النهاية.
والانتخابات التشريعية التي جرت؛ هي اختبار للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في العام القادم.
بطبيعة الحال؛ فإن إجراء الانتخابات الأفغانية ليس نهاية المطاف للمأساة الأفغانية المُريعة. وأمام البلد المنكوب مشقات كبيرة للوصول إلى استقرار أمني، وإلى حد أدنى من الاستقرار المعيشي. والمتابعون من الخبراء في الشأن الأفغاني يعدون أن استمرار النزوح، وتنامي حالة الفقر، كما مسائل البطالة والجفاف؛ تُساهم جميعها في استمرار حالة العنف، وتشكل بيئة حاضنة للتطرف والإرهاب. وجيران أفغانستان في الغرب وفي الجنوب، لا يبدو أنهم يبذلون جهوداً كافية لمساعدة الشرعية الأفغانية في تثبيت دعائم الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى