قضايا ودراسات

فوضى المبادرات حول ليبيا

مفتاح شعيب

التاريخ الذي حدّدته الأمم المتحدة لإجراء انتخابات عامة في ليبيا خلال ديسمبر المقبل، لم يعد قابلاً للتحقيق لتعذر الشروط الدنيا، من أهمها التوافق بين المكوّنات المحليّة على هذا الاستحقاق، فضلاً عن تضارب المواقف الخارجية بين داع للعملية ورافض لها، ومشكك من الأساس في احتمال نجاحها.
رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الذي تستضيف بلاده مؤتمراً في باليرمو حول ليبيا الشهر المقبل، قال إن إجراء الانتخابات في ديسمبر قرار«غير حكيم»، ومن المتوقّع أن يخرج لقاء باليرمو بمبادرة إيطالية للملمة الوضع بما يخدم مصالح روما، على الرغم من أن هناك فوضى من المبادرات، فواحدة فرنسية وأخرى أممية وثالثة تونسية وغيرها، وكلها لم تغيّر في الواقع شيئاً، وظل الانقسام سيد القرار حتى الآن، ولم تفلح كل المحاولات لوضع خطة لوفاق وطني، تهدف إلى دعم سلطة الدولة ونزع السلاح من الميليشيات الكثيرة.
ويعود هذا الفشل إلى أن الأطراف المحليّة ما زالت تتنازع على من هو الأحق بالسلطة، وهنا يشير الحديث إلى حكومة المجلس الرئاسي في طرابلس، المعترف بها دولياً، وسلطة مجلس النواب في الشرق وممثلها التنفيذي مؤسسة الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر. ومؤخراً فشلت جهود لتوحيد السلاح تحت سلطة واحدة هي الجيش، ففي الغرب والجنوب تنتشر عشرات المجاميع المسلّحة والميليشيات التي ترى في المؤسسة العسكرية خصماً «يجب قتاله»، وطالما ظلّت هذه المعضلة قائمة، فمن الصعب جداً أن يتم التوصل لأي اتفاق، ولن تكون هناك انتخابات في المدى المنظور على الأقل.
البعثة الأممية العاملة في ليبيا، ما زالت تبذل جهودها وسط حالة كبيرة من الإحباط، ويقود رئيسها غسان سلامة مساعي للتقريب بين وجهات النظر المتنافرة، لكنه إلى الآن لم يفلح، ويبدو أن تصلّب مواقف الأطراف المختلفة جعله يتنقل من ملف إلى آخر، فبعد أن كان حريصاً على التطبيع السياسي والذهاب إلى انتخابات عامة وصياغة دستور توافقي، عاد لمعالجة مشكلة الميليشيات باعتبارها العقبة الكبرى على الأرض، ومؤخراً طرح عدة خيارات، منها ضم بعض المسلحين إلى الجيش والشرطة، وبعضهم الآخر يجري تأهيله للخدمة المدنية. وحتى هذه المسألة بقيت مجرد تخمينات وأمنيات قد لا تتحقق.
في هذه الأيام تمر سبع سنوات على إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، ولم يتحقق أي من الأوهام التي جرى تسويقها لتبرير الانقلاب عليه، فقد خيّب الفرقاء السياسيون والمسلحون الذين جاؤوا من بعده آمال جميع الليبيين. وكلما طالت الأزمة استعصى الحل بسبب أن الليبيين لم يمتلكوا قرارهم، فدول مثل إيطاليا وفرنسا تريد كل منهما حلولاً على مقاس المصالح، وبناء على هذه القاعدة، فقد لا يكون هناك توافق داخل ليبيا ما لم يتم توافق في الخارج، وتحديداً بين اللاعبين الدوليين ممن لهم صلة وثيقة بالأزمة.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى