قضايا ودراسات

الكتب أم الشاشات؟

د. حسن مدن

سيظل مفهوم المثقف ودوره موضوعين قابلين للمزيد من السجال، من حيث التأصيل لهما، ومن حيث رؤية ما يحيط بهما من متغيرات في عالم سريع التحول، إن لم تتبدل فيه وظائف المثقفين بالضرورة، فعلى الأقل تتبدل إليها النظرة، تبعاً لزاوية النظر التي من خلالها تتم.
يرى إدوارد سعيد أن المثقفين أفراد لديهم استعداد فطري لفن التمثيل. أكان ذلك حديثاً أو كتابة أو تدريساً أو ظهوراً على شاشة التلفزيون، وهو أمر يتضمن كلاً من الالتزام والمجازفة، الجرأة وقابلية السقوط معاً.
عندما ننظر للحياة العامة الحديثة كرواية أو دراما لا كعمل تجاري أو كمادة لدراسة اجتماعية يمكننا أن نرى ونفهم بسهولة كيف يقوم المثقفون بدور تمثيلي، ليس فقط للحركات الاجتماعية، بل لأسلوب حياة وأداء اجتماعي.
وفي تعداده للضغوط التي تواجه المثقف يستند إدوارد سعيد إلى عبارة لسارتر تقول: إن المثقف لا يكون مثقفاً إلا عندما يحاصره المجتمع ويغريه ويطوقه ويستبد به ليكون شيئاً أو آخر، لأنه فقط عندئذ وعلى تلك القاعدة يمكن أن يبني العمل الفكري.
تتغير النظرة للمثقف تبعاً لطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه ودرجة تطور هذا المجتمع، ومن ذلك ما لاحظه الفرنسي ريجيس دوبريه، الذي أخذ في شبابه بالأفكار الثورية، وذهب إلى أمريكا اللاتينية ليقاتل مع الثوار بقيادة تشي جيفارا، حين عقد مقارنة بين تجربته وهو شاب في أمريكا اللاتينية وتجربته اللاحقة في فرنسا، وجد أن العملية السياسية داخل الأولى أكثر حيوية مما هي عليه في الثانية، وهذا قاده للتفكر في أمر هذا التفاوت داخل لحظة تاريخية واحدة في زمننا المعاصر، ما ينعكس على دور المثقف نفسه.
أحد التحديات التي تواجه الثقافة اليوم في العالم عامة وفي المجتمعات الغربية خاصة، هو التحول الجاري في النظر إلى من هو المثقف، أمام تراجع الصورة النمطية لهذا المثقف المتكرسة في الأذهان عن كونه شغيلاً فكرياً، لصالح صورة الخبير الإعلامي الذي يكتب في الصحافة ويتحدث على قنوات التلفزة، في كافة الأمور حتى تلك التي لا يمكن اعتبارها داخلة في حدود اختصاصه ومعارفه، محاصراً بالدقائق المحدودة التي تمنح له، وهذا ما توقف أمامه بالتفصيل باسكال بونيفاس في كتابه «المثقفون المزيفون».
حسب المؤلف، فإن كبار الكتاب والمفكرين في السابق، في بلده فرنسا مثلاً، كانوا ينخرطون في النقاش العام عن طريق وضع مؤلف ملائم للسياق، لكن مثقفي اليوم يعطون الأولوية للشاشة.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى