قضايا ودراسات

روابط الصين مع إفريقيا

سيزار شلالا *

تاريخياً، كانت القارة الإفريقية تتعرض للنهب من قبل قوى خارجية، معظمها – وليس كلها – قوى أوروبية استغلت موارد ثمينة، وأفسدت شخصيات نافذة، وسياسيين أفارقة، ودمرت محاولات إشاعة الديمقراطية عبر القارة. وفي 17 يناير/‏ كانون الثاني 1961، اغتيل بطل استقلال الكونغو عن بلجيكا الرئيس باتريس لومومبا.
وقد وصف عالم الاجتماع البلجيكي لودو دو ويتي، في كتاب خصصه لذلك الحدث، جريمة قتل لومومبا بأنها «أخطر اغتيال في القرن العشرين». وقال إن اغتيال لومومبا تم بتواطؤ الحكومتين البلجيكية والأمريكية، اللتين استخدمتا متواطئين كونغوليين، وفريق اغتيال بلجيكياً. وذلك الاغتيال غيّر إلى الأبد المشهد السياسي للقارة الإفريقية، وآفاقها السياسية والاقتصادية .
أما مقاربة الصين للقارة الإفريقية فهي مختلفة عن مقاربة القوى الاستعمارية التقليدية، إذ إن مصالحها الرئيسية في القارة ذات شقين: استكشاف واستغلال البترول وموارد معدنية، واستحداث أسواق جديدة للسلع الصينية، وبناء وتحديث بنى تحتية توفر وظائف لفنيين وعمال صينيين.
وخلافاً للقوى الكبرى الأخرى، بقي تدخل الصين في الشؤون الداخلية للبلدان الإفريقية ضمن حد أدنى، وفي الوقت ذاته كانت الصين تقدم بسخاء مساعدات وقروضاً. وكما قال كليفتون بانل، مدير مركز الدراسات الآسيوية في جامعة جورجيا ، فإن «السياسة الصينية المعلنة في التعامل مع الدول الإفريقية كانت في معظم الأحيان تركز على مبدأ المنافع المتبادلة ».
وليس كل الأفارقة سعداء بوجود الصين في قارتهم. فمع أن الصين توظف أفارقة في بعض مشروعاتها الاقتصادية، إلا أن كثيرين من السكان المحليين استاؤوا من تنافس الصين مع المصانع الإفريقية، ومع متعهدي المشاريع الأفارقة. في المقابل، تبنت الصين سياسة ثابتة تقضي بتقديم المساعدة والتدريب في مجالات مثل التقنيات الزراعية، وقطاع الصحة العامة.
وفي منتدى التعاون بين الصين وإفريقيا، وهو اجتماع قمة استضافته بكين في مطلع سبتمبر/‏ أيلول 2018، كشف الرئيس الصيني شي جين بينج، عن ثماني مبادرات كبرى، شملت شراء مزيد من السلع الإفريقية، وتشجيع الشركات الإفريقية على زيادة استثماراتها في مشروعات التصنيع في القارة. ومن أجل دعم هذه المبادرات أعلنت الصين عن تخصيص 60 مليار دولار من أجل دعم التنمية في إفريقيا. علاوة على ذلك، تعهد الرئيس الصيني بتقديم 50 ألف منحة دراسية حكومية إلى شبان أفارقة، ودعا 2000 منهم للمجيء إلى الصين.
وفي المجال الطبي، بدأت الصين تقديم مساعدات منذ 1963، وبحلول العام 2014 بلغت هذه المساعدات 150مليون دولار سنوياً.
وفي الوقت الراهن، أصبحت الصين بين الدول والجهات العشر التي تقدم أكبر مساعدات ثنائية إلى القطاع الصحي في إفريقيا. وقد أوفدت فرقاً طبية إلى إفريقيا للمساعدة في بناء منشآت صحية وتدريب عاملين طبيين أفارقة. كما قدمت تجهيزات طبية وأدوية. ويقدر أنه بحلول العام 2014 ، كانت الصين قد ساعدت في بناء 30 مستشفى، و30 مركزاً طبياً، بينها مراكز للوقاية من الملاريا. ومع أن الصين ركزت أساساً في بداية علاقتها مع إفريقيا على التجارة وتقديم المساعدات، إلا أنها أصبحت تركز الآن أكثر فأكثر على سياسات تهدف إلى توثيق الروابط العسكرية مع دول إفريقية بهدف كسب نفوذ جيوسياسي. وفي هذا المجال، نشطت الصين في مجال بيع أسلحة – خفيفة أساساً – إلى دول إفريقية عدة. كما دعت الحكومة الصينية آلافاً من المسؤولين والضباط العسكريين الأفارقة للمجيء إلى الصين من أجل الإطلاع على قدراتها، وتلقي دورات تدريبية.
ويرى باحثون ومحللون أن بقية دول العالم لم يعد بإمكانها تجاهل السياسات الصينية النشطة في إفريقيا، والهادفة إلى مواصلة توثيق الروابط بين الصين وإفريقيا.

* استشاري طبي دولي وكاتب ومعلق سياسي أرجنتيني – موقع «إنفورميشن كليرينج هاوس»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى