قضايا ودراسات

سباق نحو الكارثة

صادق ناشر

أظهرت الخطوة الأمريكية الأخيرة، بالانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، التي وقّع عليها الرئيسان السابقان، الأمريكي رونالد ريغان والسوفييتي ميخائيل غورباتشوف عام 1987، أي في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، أن العالم يسير بشكل متسارع نحو مزيد من المواجهة النووية، ما لم تتم فرملة هذا الاندفاع، الذي يهدد العالم بأسره.الموقف الأمريكي الذي اتخذه دونالد ترامب قبل أيام، والذي أعلن من خلاله انسحاب بلاده من المعاهدة من جانب واحد، أضاف تعقيداً إضافياً إلى العلاقات المتوترة أصلاً بين واشنطن وموسكو، فقد برر ترامب الخطوة، التي أقدم عليها بكونها تجيء رداً على انتهاك روسيا للاتفاقية، متهماً موسكو بأنها طورت صاروخاً متوسط المدى، الذي يمكّن روسيا من تنفيذ ضربات نووية ضد دول الحلف بعد إشعار قصير الأجل، لا يسمح لهذه الدول بالاستعداد لمواجهتها.
التفسير الأمريكي للانسحاب من المعاهدة ترفضه روسيا، وترى خطوة ترامب، بمثابة رسالة إلى الدول الموقّعة على المعاهدة، بأن سباق التسلح النووي سيستمر ولن يتوقف، بل إنه يؤسس لعالم أكثر خطورة في المستقبل، خاصة مع تعهد الرئيس الأمريكي بتكثيف نشاط الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى ترسانتها النووية، للضغط على كل من روسيا والصين، «حتى يستعيد الجميع رشدهم»، حسب قوله، خاصة وأن الصين لم تكن طرفاً في التوقيع على الاتفاقية، ما اعتبره ترامب تهديداً لبلاده والعالم بأسره.
وقد دفع تهديد روسيا بالتعامل مع الأزمة الطارئة من زاوية الحفاظ على أمنها القومي، مستشار الأمن الوطني للبيت الأبيض جون بولتون، المعروف بكونه أحد صقور ترامب، لزيارة موسكو، للتباحث مع القادة الروس حول الأزمة، لكنه تلقى تحذيراً روسياً صارماً مفاده، إن انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة سوف يكون «ضربة قاصمة» لنظام الحد من التسلح النووي، خاصة وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد مراراً، أن انتهاء المعاهدة «سيجبر روسيا على اتخاذ إجراءات محددة لحماية أمنها».
لم يكن الموقف الأمريكي بالانسحاب من معاهدة 1987 جديداً، فقد اتخذ الرئيس الأسبق جورج بوش موقفاً مشابهاً بإعلانه عام 2002 الانسحاب من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية، التي أدت إلى سباق جديد بين الدول المصنعة لهذه الصواريخ، لذلك فإن الروس يدركون أنهم يتعاملون مع مزاج أمريكي متقلب، يضع العالم بأسره على حافة مواجهة شاملة.
من الواضح أن خطوة الانسحاب الأمريكي من معاهدة 1987، تقدم فرصة ذهبية لإقلاق العالم من مخاطر سباق نووي، من شأنه أن يعيد حرباً باردة من جديد، لكن بخطورة أكبر وأشمل، وما لم يجر لجم هذه المساعي، التي تطلق العنان لمغامرات بتسليح نووي من نوع جديد، فإن العالم بأسره يكون عرضة للفناء أكثر من أي وقت مضى.

Sadqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى