قضايا ودراسات

الاحتلال وسياسة النفس الطويل

علي قباجه

دأبت «إسرائيل» خلال عمر احتلالها لفلسطين منذ 70 عاماً على تغيير أنماطها ونهجها الاحتلالي، بما يتناسب مع كل مرحلة، ففي أول عهدها استخدمت العصابات الصهيونية، التي كانت نواة لما يُسمى «الجيش الإسرائيلي» القوة المميتة؛ لتهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وقتلت الآلاف؛ لتحقيق هذا الغرض، وشنت الحروب، ونفذت المجازر المتلاحقة؛ لإفراغ الأرض لمصلحة المستوطنين، هؤلاء شذاذ الآفاق القادمون من كل حدب وصوب من العالم على أرض لا تعرفهم ولا يعرفونها.
وكان نهج القوة هذا الذي مارسته «إسرائيل» متبعاً في مرحلة تبعت الحرب العالمية الثانية؛ حيث كان القتل واستباحة الدول لبعضها مألوفاً، ومشاهد جرائم الاستعمار ماثلة للعيان، وكانت معظم الدول الغربية أيديها ملطخة بدماء الشعوب؛ لذلك كان آنذاك الصمت الدولي على هذه المجازر هو سيد الموقف، إضافة إلى عوامل أخرى، أهمها التشظي الفلسطيني والضعف العربي والإسلامي.
ولكن مع كل مرحلة يُحدث الاحتلال سياساته القمعية، ويستخدم أساليب جديدة، ووسائل مختلفة، لتحقيق غايته والوصول إليها بأقل الأثمان، وهي سرقة كل الأرض الفلسطينية، إضافة إلى الاستحواذ على أراضٍ عربية. ففي مرحلة ما بعد النكسة عام 1967، انتهج الاحتلال سياسة الغموض، وأمست سرقاته ومصادراته اليومية للأرض تتم تحت جنح الصمت، وبعيداً عن الأعين، واتبع أسلوب النفس الطويل لتنفيذ مآربه؛ حيث شرع في بناء المستوطنات دون الإعلان عنها، في حين أن إعلاناته عن بناء وحدات استيطانية بين حين وآخر، هي جزء يسير جداً من الذي يبنى في الواقع.
ومع هذه السياسة التسترية القميئة، أضحت اليوم فلسطين كلها مستباحة دون تحرك من أحد، فعمليات التهجير تتم على قدم وساق، ولم يتبق لمن تبقى من الفلسطينيين أي مكان للعيش، فهم مهجرون مع وقف التنفيذ، وفي أي لحظة قد يتعرضون للطرد؛ لذا وجب على كل من ينادي بالإنسانية والحرية فضحهم على رؤوس الأشهاد، وعدم غض الطرف عن أفعالهم الشائنة، وتتبع أفعالهم السوداء ضد الأرض والشعب. بينما يقع على عاتق السلطة الفلسطينية استخدام أساليب جديدة ثورية لردع الاحتلال.
فمن غير المعقول أن يتم الاعتداء على الأرض المقدسة يومياً من قبل قوات الاحتلال، بينما تواصل السلطة التنسيق الأمني مع «إسرائيل»، أو التمسك باتفاقات أضاعت جل البلاد ، ففي هذه المرحلة الحرجة يتوجب عليها التخلي عن «أوسلو» و«بروتوكول باريس الاقتصادي» اللذين تخلى عنهما الاحتلال، والعودة إلى سيرتها الأولى بالمطالبة بكل فلسطين، وعدم الإذعان إلى أي ضغوط تطالبها بالتنازل، والتوجه إلى البيت الداخلي لصياغة دستور وطني مقاوم، والتخلي عن المشاحنات والمناكفات الداخلية. ففلسطين في هذه المرحلة تستحق.
ويتحتم على العرب، الظهير الأهم للفلسطينيين، العمل جدياً لتكسير مجاديف «إسرائيل» والحاق الهزائم السياسية والاقتصادية بها، إضافة إلى عدم السماح لها بالتمدد عالميا، كما لا بد لهم من استبدال الطاقة المبذولة في صياغة البيانات المستنكرة لاستفزازات الاحتلال بالأرض المقدسة، إلى فعل يجبره على التراجع ووقف انتهاكاته وعربدته في الأرض المحتلة.

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى