قضايا ودراسات

الكوميكس.. القراءة والرسم

يوسف أبولوز

اختار «البير قصيري» الحياة والعيش في فرنسا منذ أن كان في الثانية والثلاثين من عمره.. الغرفة رقم 58 في فندق «لالويزيان» في شارع السين في الحي الباريسي «سان جيرمان دو بريه» وأمضى أكثر من ستين عاماً في الغرفة نفسها. عاش فيها ومات فيها وحيداً محاطاً بثماني روايات وعدد من المجموعات القصصية، ومجموعة شعرية واحدة، وظل مصرياً، وقبل ذلك جذوره سورية، وجدوده من قرية بالقرب من حمص، وعندما غادر هذه الفانية عجوزاً في الخامسة والتسعين لم يكن يحمل جواز سفر فرنسا التي احتفت به، وعرضت عليه الجنسية، لكنه، بأدب رفيع رفض، كما رفض أو على الأقل لم يكن يهتم للألقاب التي اجتهدت الصحافة الثقافية بإلقائها عليه: من فولتير النيل إلى أوسكار وايلد الفرنسي.
هذه المرة، رسام فرنسي هو «جولو» أو «جي نادو» يختار مصر للحياة والعيش والرسم والعمل، وكان الخيط الواصل بين البير قصيري وبين «جولو» هو قراءة هذا الأخير لروايات وقصص البير قصيري.
عندما قرأ «جولو» سرديات البير قصيري المصرية حمل حقائبه وذهب إلى القاهرة، ليصبح على نحو ما مصرياً، ولكن مرة ثانية باحتفاظه بجواز سفره الفرنسي، وعندما قارن بين شخصيات البير قصيري الهامشية العشوائية وبينها نسيج آخر لشخصيات الفساد والكذب واللصوصية أدهشه هذا التطابق بين الأدب والحياة. ويقول استناداً إلى مادة كتبها سيد محمود.. «.. عندما وصلت إلى القاهرة لم أصدق أنني أرى شخصيات قصيري تتحرك أمامي في الشارع.. كانت مفتاحاً مهماً لفهم أسرار مصر وتشجيعي على الإقامة فيها..».
قرأ «جولو» رواية «ألوان العار» لألبير قصيري، واشتغل عليها في فن يسمى «الكوميكس» أي فن القصص المصورة، وهو فن قريب من الكاريكاتير ولكن خصوصيته تكمن في قدرة الرسام على تحويل المشهد الروائي أو المشهد القصصي إلى رسمة.
نقلت «دينا علي» إلى العربية أجزاء من رواية «ألوان العار» التي حولها «جولو» إلى مشاهد مصورة «كوميكس» وما أعمق دهشة القارئ عندما يطالع رسومات «جولو» التي تلتقط الحشود البشرية، والمقاهي ومحال بيع الكشري والحرفيين الذين بلا زبائن، والموظفين المطرودين من مكاتبهم بسبب نقص المقاعد، وجحافل المهاجرين القادمين من جميع الأقاليم.
ذهب «البير قصيري» إلى باريس، وأمضى ستين عاماً في غرفة في فندق، وذهب «جي نادو» إلى القاهرة، وأمضى حياة بين البشر والشوارع والمقاهي والميادين والجرائد والغلابى وأصحاب النكتة الحاضرة والسخرية الفطرية.
.. الاثنان مصوران محترفان: الأول صور القاهرة بكاميرا لغوية طول عدستها من باريس إلى مدينة الملايين.. والثاني صور القصص في فن طفولي مدهش.. «الكوميكس».

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى