قضايا ودراسات

تونس ومعركة الإسلام السياسي

الحسين الزاوي

يراهن أقطاب الإسلام السياسي في الوطن العربي على التجربة التونسية من أجل تجسيد حلمهم في الوصول إلى الحكم، بعد فشل محاولتهم في العديد من الدول العربية، ويعملون الآن بكثير من الجدية لمساعدة حركة النهضة على حسم الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستجرى سنة 2019 لمصلحتها، بعد أن استطاعت هذه الأخيرة أن تحقق الكثير من الاختراقات المهمة على مستوى المجتمع المدني التونسي، بخاصة بعد أن كللت الجهود التي بذلتها حركة النهضة، بفوزها مؤخراً، بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية، نتيجة تراجع التيار الليبرالي بقيادة حركة نداء تونس.
ويُرجع بعض المراقبين التقدم الذي ما فتئت تحققه حركة النهضة على الساحة السياسية التونسية إلى الانضباط الذي تتميز به كل الحركات الإسلامية، القائم على مبدأي الولاء والطاعة للنخبة المسيِّرة، وعلى احترام التدرج في الوصول إلى المناصب القيادية، كما يفسّرون تزايد نسبة تأثير التيارات الإسلامية داخل المجتمع التونسي، إلى التنازلات التكتيكية التي قدمتها حركة النهضة لمصلحة المرأة، من أجل استمالة شريحة واسعة من النساء التونسيات، في محاولة منها لتجاوز الصورة النمطية التي تحملها أغلبية النساء عن جماعات الإسلام السياسي.
وهناك، فضلاً على ذلك، قناعة كبيرة لدى النخب التونسية بأن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع، وشعوره المتزايد بفشل السياسيين في تجسيد وعود التغيير التي جرى تقديمها بعد الحراك الشعبي الذي أسهم في إسقاط نظام زين العابدين بن علي، تمثل في مجملها عناصر قوية من شأنها أن تفضي إلى تحويل اقتراع السنة المقبلة إلى انتخاب عقابي يخدم إلى حد كبير مصالح حركة النهضة التي ما زالت تحتفظ بكل قواعدها الشعبية، بالرغم من تحملها لجزء معتبر من مسؤولية التردي الاقتصادي الذي تشهده تونس، بالنظر إلى تولي كوادرها لمناصب وزارية مهمة في الحكومة التونسية الحالية.
وقد استطاعت حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة أن تمتص حالة الغضب التي انتشرت ضدها داخل المجتمع التونسي، كما تمكنت من تقليص حدة الأصوات التي تتهمها بدعم التطرف، والتي ذهبت إلى حد الترويج بامتلاكها لأذرع سرية تتحرك خارج نطاق القانون، وبخاصة بعد حادثتي اغتيال شكري بلعيد، ومحمد براهمي.
وتعود مراهنة قوى الإسلام السياسي للوصول إلى السلطة في تونس على عوامل داخلية وخارجية، بعد فشل تجربة السيطرة على الحكم في مصر، التي كان يعوِّل عليها هذا التيار من أجل بسط نفوذه مشرقاً، ومغرباً؛ حيث ترى قيادات حركة الإخوان المسلمين العالمية، أن المؤسسة العسكرية في تونس، وعلى خلاف معظم الجمهوريات العربية، غير معنية بشكل مباشر بشؤون السياسة والحكم، كما أن المؤسسة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية فقدت خلال السنوات الأخيرة جانباً مهماً من قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، الأمر الذي يجعل من تونس النموذج الذي يضع عليه تيار الإسلام السياسي، القسم الأكبر من طموحاته وتطلعاته، من أجل تجاوز حالة الإخفاقات والانتكاسات المتتالية التي مني بها.
ويمكننا أن نشير في هذا السياق إلى أن حركة النهضة ستعتمد في المرحلة المقبلة على دعم سخي من طرف الدوحة، وأنقرة، اللتين تريان أن تسلم النهضة للسلطة في تونس ستكون له تداعيات حاسمة على تطور الأحداث في ليبيا، وربما في الجزائر، ومن ثم فإن تونس قد تشكل خلال النصف الثاني من السنة المقبلة ساحة المعركة الرئيسية بالنسبة لمجموع قوى الإسلام السياسي في الوطن العربي، الأمر الذي يفسِّر إلى حد كبير تركيز الإعلام القطري، الناطق الرسمي باسم تنظيم الإخوان المسلمين، في عدة مناسبات على الأوضاع السياسية في تونس، وبالتالي فإنه من المؤكد أن إيصال راشد الغنوشي إلى قصر قرطاج، سيكون بمثابة التتويج الأبرز لمجمل الجهود القطرية والتركية الداعمة للإخوان في الوطن العربي.
وتدفعنا هذه الملاحظات المتعلقة بالتحولات التي يعرفها الوضع السياسي في تونس، إلى القول إن القوى المدنية الرافضة لمشاريع الإسلام السياسي، مدعوة خلال الشهور القليلة المقبلة، إلى العمل على إعادة توحيد صفوفها وإلى صياغة برنامج اجتماعي وسياسي واقتصادي عقلاني، قادر على مواجهة مشروع الإسلام السياسي الهادف إلى إضعاف قوة المجتمع المدني التونسي، من خلال استثمار الصعوبات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية الناجمة عن انتشار الفقر والبطالة، من أجل حسم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

hzaoui63@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى