قضايا ودراسات

تحديات مواقف ترامب

محمد نورالدين

لم يكن المتحدث من زعماء الحزب الديمقراطي المعارض لسياسات الحزب الجمهوري. بل كان آخر وزير خارجية قبل الحالي في إدارة الرئيس دونالد ترامب. إنه ريكس تيلرسون الذي مكث مدة قصيرة في الخارجية، وما لبث أن استقال قبل أشهر ليحل محله مايك بامبيو. قال تيلرسون إن الولايات المتحدة لا تستحق رئيساً مثل ترامب يقود 300 مليون أمريكي، وأمة عظيمة، وبلداً عظيماً بمثل هذه المواقف والمصالح الصرف، على حساب القيم.
المسألة هنا لا تتصل بترامب فقط، بل إن كل الإدارات الأمريكية كانت تتفق على إيلاء المصالح الأمريكية أولوية على كل شيء. لكن مع إدارة دونالد ترامب أصبح العالم أكثر خطرا. إذ إن خطوات ترامب كانت مغايرة بتطرفها عن كل من سبقه.
لقد دفع ترامب بلاده إلى موقع لم تكن فيه بهذه الحدة والانحياز. غيّر ترامب قواعد اللعبة الدولية، لكن ليس إلى عالم أكثر أماناً، وأمناً، وعدالة، وحرية. بل إلى عالم يقف على حافة الهاوية، والمخاطر، والحروب.
بدأ ذلك بالانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ، ومن ثم من مجلس حقوق الإنسان، ومن ثم من «اليونسكو»، وآخرها وقف المساعدات الأمريكية إلى منظمة «الأونروا» الخاصة باللاجئين الفلسطينيين.
وكانت من ذروة مواقف ترامب المنحازة، الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة ل«إسرائيل»، متحدياً العالم كله، وليس العالم العربي والإسلامي والشعب الفلسطيني فقط.
غير أن أخطر ما أقدم عليه ترامب هو قراره قبل أيام قليلة فقط الانسحاب من الاتفاقية النووية الخاصة بالصواريخ متوسطة المدى التي وقعها عام 1987 الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، الذي كان معروفاً كذلك بالتشدد، مع نظيره السوفييتي ميخائيل جورباتشوف. الانسحاب من الاتفاقية استتبع تحذيرات روسية من إضرار ذلك بالأمن العالمي.
ويضاف إلى ذلك المحاولات الحثيثة لتوسيع حلف شمال الأطلسي إلى الحدود الروسية، وإجراء أكبر مناورات للحلف في تاريخه شارك فيها 50 ألف جندي ضمن محاولات خنق القوة الروسية على حدودها، كما في العالم.
لقد مضت الولايات المتحدة في طُرق وأساليب لا تعير اهتماماً سوى لمصالحها في كل مكان في العالم. والعمل على المصالح مشروع، وهو القاعدة في العلاقات والتنافس بين الدول. لكن أن يكون ذلك على حساب الاستقرار العالمي، والعدالة، وبحماية منطق القوة الزائدة، فهذا أمر لا يفضي سوى إلى التوترات والحروب، والمزيد من اليأس والمآسي لدى الشعوب الأخرى.
لكن أخطر ما يحمله ترامب هو العمل على تصفية القضية الفلسطينية من خلال ما يسمى «صفقة القرن» التي تضع حقوق شعب بكامله في مهب الريح. وقد «بشّر» بأنه سيعلن عن هذه الصفقة خلال شهرين، أو ثلاثة.
يواجه العالم كله تحديات مواقف ترامب. وهو يضع الولايات المتحدة، كما حلفاءها في مواقف وأوضاع صعبة لا تخدم المصالح الأمريكية نفسها، وإن كان يبدو له ذلك.
لقد سقط الاتحاد السوفييتي من جراء عوامل متعددة، منها الدعاية الأمريكية حول الحريات، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقيم الأخلاقية، وهي في الممارسة الأمريكية قيم لم تلتزم بها في فيتنام وفلسطين والعالم الثالث، حيث كانت الانقلابات العسكرية، لخلع الأنظمة غير الموالية لها، أو المتمردة على سياساتها، ديدنها. واليوم ليس من قضية يمكن للولايات المتحدة أن تدافع عنها.
ولم يبق لها صديق حقيقي بعدما انقلبت حتى على أقرب الأصدقاء، عبر العقوبات الاقتصادية عليها، مثل ألمانيا وفرنسا، وعلى أقرب جيرانها، مثل المكسيك وكندا، حيث أراد ترامب رفع جدار، باطوني أو كهربائي، من العداء تماماً مثلما تفعل «إسرائيل» في الضفة الغربية، وعلى الحدود مع لبنان.
عالم من الكراهية والأحقاد يسود في ظل الوضع القائم. ولن يهدأ هذا العالم ولو قليلاً، ما دامت الإدارة الأمريكية مستمرة في سياساتها غير العقلانية المنحازة ل«إسرائيل».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى