قضايا ودراسات

«أحياء في البحر الميت»

يوسف أبو لوز

لا أدري لماذا تذكرت رواية الكاتب الأردني مؤنس الرزّاز «أحياء في البحر الميت» حين متابعة أخبار السيول التي جرفت حافلة مدرسية أثناء رحلة إلى البحر الميت في الأغوار الأردنية، وهي منطقة منخفضة محاطة بجبال شاهقة تتخللها شبكة من الأودية والينابيع وقريبة منها ينابيع عيون موسى غربيّ مدينة مادبا، وكانت تلك الينابيع في الستينات والسبعينات تسقي عشرات بساتين التين والرمّان والعنب والتفاح الأصفر الصغير، ولكن جفت هذه البساتين اليوم، وجفّت معها الينابيع التي كنت في طفولتي أرِدها وأملأ القرب بماء عذب صافٍ أعود به فوق دابّة إلى بيت جدّي الذي كان يقع بين الجيال والأودية، وكان المطر غزيراً كأنه شلال فضي نازل من السماء، ومع ذلك، لا يذكر أحد من سكان تلك الجبال والأودية قبل حوالي نصف قرن من الزمن أن سيولاً جارفة اكتسحت المنطقة، ولم يمت آنذاك لا طفل ولا كهل ولا ماعز أو حصان جرّاء المطر والسيل، كأن الطبيعة آنذاك كانت رحيمة مثل أم رؤوم على بشر يسكنون في الأودية والمغائر والكهوف متجاورين متحابّين ليس بينهم فاسد.
هل كان مؤنس الرزّاز، وهو بالمناسبة، شقيق رئيس وزراء الحكومة الأردنية الحالية عمر الرزّاز.. يتنبأ على نحو ما بحدسه الروائي في سرديته «أحياء في بحر الميت» أن أطفالاً في عمر الأسماك أو الطيور سوف تجرفهم سيول الماء إلى البحر الأشد ملوحة في العالم وهو أيضاً مصدر إنتاج الملح الأكثر جودة، ومع ذلك اشتعلت الصحافة الأردنية في عام 1996 إن لم تخن الذاكرة عن فساد الملح في الأردن بحيث بات الحصول على ملح ناعم نقّي مشبع باليود آنذاك مثل الحصول على نعمة بيضاء، والغريب أو الطريف لمن يراجع تلك الكتابات الصحفية في التسعينات عن الملح يقرأ، مثلاً، إن الملح المتوفر في الأسواق خشن وغير مُعالج صحياً وبذلك، وبسبب فساد الملح، فإنه مادة صالحة لإطعامها للدواب بوصفها علفاً أبيض مبهجاً للحيوان الدّارّ، ويوفر له نسبة عالية من عناصر يحتاجها الجسد الآدمي، قبل الجسم الحيواني.. مثل اليود.
هذه كلها تداعيات على رواية «أحياء في البحر الميت» للصديق الجريء الشجاع مؤنس الرزّاز، ولكن، خارج تداعيات البحر والملح وفساد الملح.. يتذكر الأردنيون الآن على وقع هذه الكارثة كيف كانت رحلات أبنائهم المدرسية قبل أربعين عاماً مثلاً.. وإليك هذه المشاهد باختصار شديد:
* كانت الليلة التي تسبق الرحلة المدرسية تشبه ليلة العيد بالنسبة للتلاميذ الذين سَيَروا العالم في حافلة.. الأم والأب يشتريان الأكل الكافي «وليس الخبز الحافي» للأولاد الذاهبين إلى اكتشاف وطنهم في الأغوار.
* كانت الرحلة المدرسية امتيازاً للطالب الذي يحصل عليها سواءً من أهله أو من المدرسة أي أن الطفل يحصل في هذه المناسبة على رؤية وطنه.. كأنه مسافر، وفي المساء، يعود.
*..كانت العائلة تنتظر ذلك المسافر في وطنه.. ولكنه لم يعد.
*..قد يكون حياً في البحر الميت..
..غداً.. أكمل..

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى