قضايا ودراسات

صدام القوميتين الروسية والأمريكية

حافظ البرغوثي

وكأن العالم يعود مجدداً إلى أجواء الحرب الباردة لكنها سريعة التسخين، فالإدارة الأمريكية ما مست ملفاً دولياً، سواء كان سياسياً أو تجارياً أو عسكرياً، إلا وأثارت زوبعة تعقد العلاقات الدولية، وتعيد قرع طبول الحرب على هذا الكوكب، وكأنها تريد إعادة اكتشاف بلادها وتنبش في ملفاتها، لإعادة صياغتها وفق نظريتها القومية، وآخرها الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية الموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تهديد دول أوروبا، في حالة نشر واشنطن لصواريخها على الأراضي الأوروبية.
عملياً انتعش الاقتصاد التكنولوجي دولياً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كنتيجة لما سمي بحرب النجوم، حيث كانت واشنطن وموسكو في سباق تسلح تكنولوجي مسخر لتطوير أسلحة لحرب الفضاء بما تشمله من أسلحة شديدة التعقيد والتدمير، وكانت مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أطلقها سراً، الرئيس الأسبق رونالد ريجان، هي شرارة سباق التسلح في مواجهة الصواريخ السوفييتية، بهدف توفير درع صاروخية تحمي الولايات المتحدة من أية هجمات صاروخية معادية، وشملت أقمار مراقبة فضائية وأسلحة تطلق في الفضاء، وأسلحة مدمرة تعمل بأشعة الليزر، وهو السلاح المستقبلي المضاد للصواريخ، وأشركت فيه واشنطن «إسرائيل» لتطويره أيضاً.
نتاج هذه التكنولوجيا تم توجيهه في مطلع التسعينات إلى المجالات المدنية، بعد تحول العالم إلى أحادي القطبية إثر انهيار الاتحاد السوفييتي؛ لذلك ازدهرت التكنولوجيا الصناعية المدنية، وظهرت أجيال من الصناعات التي سهلت الحياة في العقود الأخيرة، مع ظهور التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
لكن الرئيس الأمريكي أطلق مجدداً سباق المنافسة التجارية والصناعية والتسلح في عدة مناسبات، بفرض الرسوم على الواردات الأمريكية من أوروبا والصين وغيرهما، ثم جنح إلى الانسحاب من معاهدة 1987، ما اعتبره الروس خرقاً لوقف سباق التسلح. وفي الحقيقة أن الرئيس الروسي في سعيه كقومي روسي، واستعادة المجد السوفييتي من منطلق قومي، يصطدم هنا بالشعور الوطني القومي للرئيس ترامب، الذي وصف نفسه مؤخراً بأنه قومي؛ ما يعني بدء ماراثون التسلح بين القطبين، وعين ترامب على الصين أيضاً التي ظلت بعيدة عن التوقيع على أية اتفاقات بشأن التسلح، رغم أنها قطعت شوطاً طويلاً في تنمية أسلحتها الخاصة بها.
ولعل الانتعاش الاقتصادي الذي يفاخر به ترامب حالياً، هو نتاج تراكم ثروات خارجية استثمارية في بلاده، وهو أمر طارئ سيتأثر حتماً بنقض الرئيس ترامب للاتفاقات التجارية والعسكرية، ما سيجعله يصرف مبالغ خيالية في سباق التسلح لاحقاً. فالانتعاش الأمريكي على مر العقود الماضية منذ الخمسينات، كان نتاج حروب خاضتها واشنطن في الخارج لصالح كارتل المصانع العسكرية الضاغط بقوة في الداخل الأمريكي، وكان تمويلها يأتي من الخارج وبأرباح للاقتصاد الأمريكي من حلفائه، بينما كانت نقطة ضعف الاتحاد السوفييتي أنه كان يصرف على دوله وحلفائه من الاقتصاد الروسي، ما أدى إلى انهياره من الداخل اقتصادياً. وفي ظل الوضع الحالي يخشى ترامب من خواء خزينته لصالح الإنفاق على حلفائه.
المناورات الضخمة التي تشهدها النرويج، هي محاولة أمريكية لإعادة ضبط استعداد حلف الناتو في مواجهة روسيا، بعد أن سخر الرئيس ترامب من الحلف مراراً ووصفه بأنه منظمة عفا عليها الزمن، وانتقد ضعف تمويل أعضائه لشؤون الدفاع، خاصة ألمانيا التي تعتمد في الطاقة على وارداتها من روسيا، وتورد عشرات المليارات من الدولارات إلى روسيا مقابل الغاز والنفط، لكن انتقادات ترامب لم تحرك الإنفاق العسكري الأوروبي؛ بل إن ترامب عاد يخطب ود الناتو بعد فتح ملفات اتفاقات الحد من الأسلحة الصاروخية النووية متوسطة المدى، وخاصة بعد أن نجح الروس في إعادة بناء أسطولهم من الغواصات الصامتة التي تستقر لأشهر تحت الماء وتستطيع إطلاق صواريخ نووية عابرة للقارات بمعدل 20 صاروخاً لكل غواصة، وهوما يثير الرعب في المؤسسة العسكرية الأمريكية، ولعل إلغاء ترامب لمعاهدة الصواريخ النووية يعيد سباق التسلح إلى سابق عهده، حيث إن الرئيس ترامب يرى أن الصين تمتلك نسبة كبيرة من الصواريخ النووية خارج نطاق المعاهدة، ويبحث عن وسيلة لإجبارها على الانضمام إلى معاهدة جديدة مع روسيا.
فمن مفهومه الجديد عن القومية الأمريكية، ينطلق ترامب نحو إعادة بناء بلاده في مواجهة القومية الروسية، حيث لا يُخفي الرئيس بوتين انتماءه القومي، فقد قال ترامب في تجمع انتخابي حاشد في ولاية تكساس قبل أيام: «الديمقراطيون الراديكاليون يريدون أن يُعيدوا الفاسدين إلى السلطة.
هل تعرفون من هم هؤلاء الداعون للعولمة؟ دعاة العولمة هم أشخاص يريدون أن يكون العالم جيداً، ولا يعتنون حقاً وبصراحة ببلدنا ».
وأضاف ترامب: «لا يمكننا تحمل ذلك، هنا كلمة قومية أصبحت نوعاً من الكلام القديم، وأنا أقول لكم من المتعارف عليه أنه لا ينبغي استخدام هذه الكلمة، ولكنني أقول أنا من القوميين. أحب هذه الكلمة».
وقد أثارت كلمات ترامب جدلاً بين المحللين وكأنها مقدمة لإعادة صياغة النظام الأمريكي على أسس قومية متحللة من الديمقراطية، كما بدأت سيرة أنظمة قومية في بلاد أخرى من رحم الديمقراطية، فهل يدفع العالم ثمن هذا الصدام بين القوميتين الروسية والأمريكية؟

hafezbargo@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى