قضايا ودراسات

الحملة على السعودية.. الأهداف والنوايا

هاشم عبدالعزيز

اندفعت أطراف، وجماعات، ووسائط إعلامية، بصورة محمومة في التعاطي مع قضية الكاتب والإعلامي السعودي جمال خاشقجي، منذ لحظة اختفائه في قنصلية بلاده بإسطنبول التركية، ولم تتوقف حتى بعد إعلان وفاته، رغم وضوح الرؤية التي جاءت على لسان مصدر مسؤول في المملكة العربية السعودية.
اللافت في هذه الحملة أنها لم تكن بهدف الوصول إلى الحقيقة، بل استغلال القضية في لعبة ابتزازية بصناعة استخبارية عالمية ضد المملكة العربية السعودية، إلى درجة بدت فيها بعض الأطراف كما لو أنها كانت تريد حدوث ما حدث، أو أنها وجدت ضالتها للعب والتلاعب على هكذا قضية لا تحتمل الابتذال، والاستغلال الرخيص.
في البدء سوقت هذه الجهات، والأطراف، والجماعات، ووسائطها الإعلامية الاتهامات للمملكة بالمماطلة والتهرب، مع أن الرياض بادرت بخطوات عملية للوقوف على ما جرى بشراكة مع الدولة التركية، وأمام العالم، والأسرة الإنسانية بأسرها.
ومع اشتداد تلك الحملة الاتهامية بالتهرب والمماطلة كان لافتاً إقدام أطراف على خطوات لا يمكن وصفها سوى بالعدائية للمملكة العربية السعودية، ومن ذلك إعلان الانسحاب من المؤتمر الاقتصادي الدولي الذي انعقد في الرياض في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، وإلغاء زيارات رسمية لوزراء، وانفجار موجة المطالبة بإلغاء الصفقات التسليحية بين المملكة وبلدان عدة، جرى ذلك قبل إعلان النتيجة عن مصير خاشقجي التي أعلنتها المملكة بصورة رسمية، واتخذت في سياقها إجراءات عدة، في خطوة اتسمت بالمسؤولية.
المثير أن عدداً من هذه الأطراف، والجهات، والوسائط، استبقت الإعلان السعودي عما حدث بالتشكيك والاتهام، ومن ثم بدأت بعملية تسويق توصيفها للإعلان السعودي عن القضية من أنه «يفتقد إلى المصداقية»، و «غير كاف»، و»غير مقبول»، وغيرها من التوصيفات الغريبة، والسؤال هنا: ما هو المقبول لهؤلاء إذاً؟
إن ما يجري يبدو كما لو أنه مشروع استغلالي واستثماري لا علاقة له بالنواحي الأخلاقية، والإنسانية، فالحملة في نظر أصحابها، إن لم تحقق ابتزازاً للمملكة، فإنها قابلة للإفادة من أطراف أخرى في المنطقة لديها الاستعداد والإمكانات لمكافأة المتلاعبين بالقضية.
ما حدث لخاشقجي كان جريمة، و«هذا خطأ فظيع»، و«هذه مأساة مروعة»، كما وصفها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قدم لأسرة خاشقجي التعازي الصادقة، وقال: «نشعر بآلامهم، للأسف ارتكب خطأ كبير وجسيم، وأؤكد لهم أن المسؤولين سيحاسبون على هذا»، وهو ما قدمه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده محمد بن سلمان، لهذه الأسرة الكريمة في نكبتها الأليمة.
ثمة شيء يمكن الإشارة إليه، وهو ما يتردد بين لحظة وأخرى من أن الرواية السعودية للحادثة حفلت بالتناقضات، والمراد هنا محاولة النيل من مصداقية المواجهة السعودية للقضية، وباللجوء إلى التسريبات، والادعاءات، والإشاعات، بيد أن الأمر هنا لا يحسب على المملكة، بل يحسب لها، لأن تقديم معلومات جديدة، أو إضافية يبرهن على مصداقية المملكة وتعاملها الدقيق مع كل ما يتعلق بها في المحصلة النهائية.
في أي حال، ما جرى يمكن اعتباره درساً لا يجب تبديده، فقد أظهرت هذه القضية أن أطرافاً، وجهات، وأوساطاً عدة، ليست في عداء أعمى ضد المملكة العربية السعودية، فحسب، بل وفي كونها تعتقد أن اللعب على أي قضايا في هذه المنطقة يوفر لها أبواب ونوافذ الابتزاز المالي، والنفوذ السياسي، لجعل هذه المنطقة ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية في دوامة اللعبة العبثية الدائرة على المنطقة العربية في حقوقها، وإمكاناتها ،ودورها في المسيرة الإنسانية.
ما حدث تجاه المملكة العربية السعودية في شأن هذه القضية يجدد أمام الدول العربية أكثر من قضية ترتبط بالأمن العربي، وبالاستقلال، والتضامن، وبإطلاق مسيرة الإصلاحات التي تتطلع إليها الشعوب العربية للخروج من أوضاعها المأساوية التي تتناقض وحقوقها، والإمكانات العربية الهائلة القادرة على إرساء قواعد وقوائم الحياة الجديدة، والجديرة إنسانياً.
لقد كان ما جرى تجاه المملكة العربية السعودية اختباراً جدياً لمراجعة ملفات عدة، لا من قبل المملكة وحدها فقط، بل وكل الدول الخليجية والعربية، وتلك هي القضية الأبرز التي يجب الالتفات نحوها ومعالجتها بما يتوافق والوضع الذي خلقته هذه الحملة المسعورة على أرض الواقع.
الحملة التي كرست في الآونة الأخيرة ضد المملكة العربية السعودية كشفت عن نهج سياسي مغاير لدى أطراف إقليمية، ودولية متعددة، والهدف الأبرز من ذلك، يتمثل في الضغط على المملكة لتقديم تنازلات في ملفات أخرى، غير أن الدور الملقى على المملكة في الفترة الأخيرة، خاصة ما يتعلق بوضع الترتيبات في المنطقة، يجعلها في موقف المسؤولية لإنجاز الكثير من الملفات التي لا تزال بحاجة إلى معالجات، انطلاقاً من الدور المحوري والهام للمملكة، وقد بدأ هذا الدور يتبلور بشكل أكبر في مؤتمر الاستثمار الأخير الذي عقد في العاصمة الرياض، وجذب مئات الشركات، والخبراء، الاقتصاديين، حيث برهن المؤتمر على أن السعودية لا تزال في قلب المعركة من أجل التغيير، وهي المعركة التي تثير امتعاض العديد من القوى الإقليمية والدولية، التي لا ترغب في أن يكون لدول المنطقة دور مؤثر في خريطة الشرق الأوسط، والعالم.
لقد كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واضحاً في طريقة توضيحه لنظرة المملكة للمستقبل، عندما أشار إلى أن المنطقة العربية ينتظرها مستقبل كبير، سواء المملكة، أو الدول المجاورة لها، إضافة إلى دول بدأت تخرج من آثار احتجاجات ما عرف ب«الربيع العربي» التي أعاقت انطلاقتها نحو المستقبل، مستشهداً بذلك بمصر، بعدما تجاوزت عنق الزجاجة.
من هنا، يمكن تفسير الهجمة الإعلامية على المملكة، ودورها القيادي، ورؤيتها للتغيير، وتوجهها نحو إعادة ترتيب شؤون المنطقة بما يمنحها فرصة لتقديم نموذج جديد، أو كما قال الأمير محمد بن سلمان، تتحول منطقة الشرق الأوسط بأكملها، إلى أوروبا جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى