قضايا ودراسات

معركة أمريكا مع «الجنائية الدولية»

عاطف الغمري

تتوالى المواقف التي تصدر عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تشكل خطوات متتابعة لتوسيع الفجوة بين الولايات المتحدة وبين أقرب حلفائها إليها، فمن بعد التقليل من أهمية حلف الأطلنطي، ووصفه بأنه قد عفا عليه الزمن، والقرارات التي وصلت إلى حد الحرب التجارية، بفرض رسوم على واردات الولايات المتحدة من أوروبا، يأتي إعلان وزير الخارجية الأمريكي جون بولتون، بمثابة تهديد لوجود المحكمة الجنائية الدولية، التي وصف فيها المحكمة بأنها لا جدوى منها، وأنها غير فعالة، ولا يعتمد عليها. والتهديد باتخاذ إجراءات ضد قضاة المحكمة، ومدعيها، في حالة إصدارها أحكاماً ضد أمريكيين، حتى إن الأوروبيين اعتبروا ذلك تأكيداً للمعنى الذي يستخدمه ترامب بكلمات «أمريكا أولاً»، ما يتناقض تماماً مع قواعد التحالف التقليدي بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، وغيرها، على أساس أن التحالفات هي عملية تبادلية، وليست اعتبار المصالح الأمريكية ذات أولوية فوق أي حسابات لمصالح الحلفاء.
وهذا الموقف من المحكمة الجنائية الدولية يعبر عن حسابات ضيقة الأفق، لأنها تركز على حماية أمريكيين حتى لو ارتكبوا جرائم يحرمها القانون الدولي، ومصالح شعوب الدول الأخرى.
والمحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت في عام 2002، وتضم في عضويتها ثلثي دول العالم، تعتبر المؤسسة القضائية العالمية المختصة بالنظر في جرائم الحرب، والإبادة، وغيرها من الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية.
ومنذ بداية إنشائها كان للولايات المتحدة تجاهها مواقف متشككة، ليس لوجود أي شك في تحيز أحكامها، بل لمخاوفها من إصدارها أحكاماً ضد جنود أمريكيين يثبت ارتكابهم جرائم حرب، وما تعتبره واشنطن توجهاً لتخريب مسارات السياسة الخارجية، التي تشارك في إدارتها من بابها الخلفي وكالة المخابرات المركزية، وما هو معروف عنها من إثارة عداوات داخل دول العالم .
وهذه أمور يحسبها الرئيس الأمريكي أنها يمكن أن تؤثر في شعبيته لدى الرأي العام، في حالة سكوته على محاكمة أمريكيين في الخارج، وإدانتهم واحتمال، إلقائهم في السجون.
وتلك السياسة تتعارض كلية مع المواقف المعلنة من الإدارات الأمريكية، بمحاربة الإرهاب، وملاحقة من يقومون بعمليات عنف، وإرهاب، بينما هي تغض النظر عن مثل هذه الأعمال لو أنها جاءت من مواطنين أمريكيين، وبعلم حكومتهم، بل وتهديدها بمعاقبة من يصدرون أحكاماً من المحكمة الجنائية الدولية ضد هؤلاء الأشخاص.
وكانت تهديدات بولتون جاءت في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة النظر في إمكان مقاضاة جنود أمريكيين، بتهمة إساءة معاملة مواطنين في أفغانستان، وقال إن الولايات المتحدة ستفعل كل ما في وسعها لحماية مواطنيها.
وهو ما اعتبر انحيازاً لمواطنيها حتى لو ارتكبوا جرائم يحرمها القانون، ويخالف مبادئ سيادة الدول. إضافة إلى أن هذا التصرف من جانب الإدارة الأمريكية قد غلبت عليه الاعتبارات السياسية، وليست القانونية، وهو ما أظهره قرار إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، بسبب سعي الفلسطينيين للجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، لمحاكمة «إسرائيل» على جرائمها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والخوف من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقديم مسؤولين «إسرائيليين» كبار إلى المحاكمة، ما يمثل تطوراً، يضع «إسرائيل» نفسها كدولة، موضع الاتهام بارتكاب جرائم يحرمها القانون الدولي.
ووصل التهديد الأمريكي إلى حد تجاوز كل التقاليد الدولية المرعية في مثل هذه القضايا، بالتهديد بالقبض على قضاة بالمحكمة ومقاضاتهم، وما ذكرته مصادر مقربة من إدارة ترامب، من أن الولايات المتحدة ستهدد كذلك بمعاقبة أي أفراد يتعاونون مع المحكمة في تجميع الأدلة على ارتكاب جنودها جرائم حرب في أفغانستان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى