قضايا ودراسات

ترامب ومعاهدة الصواريخ البالستية

د. خليل حسين

في وقت يُجري فيه حلف الناتو أضخم مناورات عسكرية على الحدود الروسية منذ العام 1988، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نية بلاده الانسحاب من معاهدة الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى، متهماً روسيا بخرق المعاهدة التي وقعت إبان الحقبة السوفييتية في العام 1987. ويأتي هذا الإعلان في ظروف هي الأشد توتراً بين الطرفين، بعد عودة أجواء الحرب الباردة وتفاقم الأزمات الإقليمية والدولية، التي يُديرها الطرفان في غير منطقة من العالم.
والجديد في الموضوع المثار، إشارة الرئيس الأمريكي إلى الصين في هذه القضية، رغم أن هذه الأخيرة ليست طرفاً فيها، ما يعني أن التهديد المتصور أمريكياً ليس لموسكو وحدها؛ وإنما بكين أيضاً التي ردت بسقف عالٍ على التهديدات الأمريكية، ما يعني أن ثمة أجواء تصعيدية ربما ستأخذ مسارها، رغم محاولات واشنطن السير في إدارة الأزمة عبر إيفاد مستشارها للأمن القومي جون بولتون إلى موسكو، وإثارة القضية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل صريح.
والمعاهدة من حيث المبدأ، هي من مخلفات الاتفاقيات الثنائية التي تعود للحقبة السوفييتية، وهي مسار تفاوضي طويل بين الجانبين، امتد من حقبة الوفاق أواخر ستينات القرن الماضي، والتي أنتجت اتفاقيتي «ستارت1» و«ستارت2»، للحد من انتشار الأسلحة غير التقليدية ووسائل إطلاقها؛ أي الصواريخ الباليستية.
وفي أي حال من الأحوال، فقد اعتُبرت هاتان الاتفاقيتان بداية لمسار طويل بين الجانبين، للحد من احتقان العلاقات الدولية، ومحاولة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين، اللذين يهتزان عند بروز أي أزمة إقليمية أو دولية، كان أبرزها أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا عام 1961.
ورغم محدودية المعاهدة مقارنة بغيرها من المعاهدات ذات الصلة، إلا أن روسيا تحديداً تخلت عن الكثير من بيئتها الدفاعية والهجومية بعد وراثتها للترسانة السوفييتية، وذلك عبر اتفاقيات ثنائية مع واشنطن مقابل الدعم الاقتصادي والمالي إبان حقبة الرئيس بوريس يلتسين؛ إلا أن أوضاع تلك المعاهدات وغيرها، باتت موضع جدل عالي المستوى، بعد وصول الرئيس بوتين إلى السلطة، المترافقة مع طموحات المنافسة الدولية، وتصاعد الأزمات الإقليمية وخاصة الأزمة السورية التي شكّلت منعطفاً حاداً في العلاقات البينية مؤخراً.
لقد شكلت قمة هلسنكي بين الجانبين الروسي والأمريكي في يوليو/‏تموز الماضي، مناسبة للبحث في المعاهدة، ورغم تأكيدات الطرفين على جدية المتابعة في هذا الملف، إلا أن المستجدات الأخيرة وخرق قواعد الاشتباك في الأزمة السورية، أعادا الملف إلى مستويات حادة، ويبدو أنه سيكون على رأس جدول أعمال القمة المزمعة بين الطرفين في نوفمبر/‏تشرين الثاني القادم في باريس، فهل ستكون مناسبة ملائمة لحل هذه الأزمة الناشئة؟
وإذا كان الأمر كذلك، ما هو الموقف الأمريكي وبالتحديد الرئيس ترامب من إدخال الصين أو غيرها مستقبلاً في القضية، سيما وأن الصين على سبيل المثال، ظلت خارج الاتفاقيات الدولية والثنائية المعقودة مع الطرف الأمريكي، وهي إلى جانب ذلك، تعتبر حليفاً اقتصادياً وتجارياً للعديد من الدول التي تناصب واشنطن العداء، فهل لواشنطن خلفيات أخرى في إشراك الصين في التصعيد الأخير؟
في أي حال من الأحوال، ثمة سقوف عالية أثيرت فيها القضية، وثمة حذر روسي في التعامل مع الملف، وسط تصريحات مرنة نسبياً، كما أطلقها الرئيس بوتين عبر لقائه مع بولتون في موسكو، معتبراً أن لقاءه مع الرئيس ترامب في قمة هلسنكي كان بنّاء، ما يعني أن الكلمة الفصل في هذا الموضوع ربما ستكون في قمة باريس المزمعة بين الجانبين؛ إذ ثمة الكثير من الملفات ذات الصلة يمكن أن تكون من بين وسائل إدارة القضية لاحقاً؛ حيث إن استرجاع قراءة العلاقات الثنائية والتدقيق في كيفية إدارة الأزمات بين الطرفين يشي بذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى